الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٠٦ - (٣) القصة الأسطورية
القرآن فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي من عند اللّه و كلامه فلهذا قال قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ [١] .
و الذي يحسن بنا أن نلتفت إليه هنا هو أن الرازي يسأل عن كيفية أن يكون قوله تعالى. قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ... إلخ إجابة عن قولهم وَ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ... إلخ ذلك لأن المتبادر أن الرد الذي كان يتوقّعه الرازي إنما يكون بنفي وجود الأساطير في القرآن و من هنا حاول أن يجعل إجابة القرآن ملاقية للشبهة حين وجد أن الرد ليس نفيا لوجود الأساطير في القرآن بل نفي موجود آخر هو أنه ليس منزلا من اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ . و لعلنا لا نوافق الرازي فيما وجّه به الرد بل نرى أن إجابة القرآن هي الإجابة الطبيعية و هي الإجابة التي لا محيد عنها في هذا الميدان. ذلك لأن مدار الحوار بين القرآن و المشركين لم يكن عن ورود الأساطير في القرآن و إنما كان عن اتخاذهم ورود الأساطير دليلا على أن القرآن من عند محمد لم يجئه به الوحي و لم ينزل عليه من السماء. و من هنا كانت الإجابة في محلها و كان إثبات أن القرآن من عند اللّه قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و لم تكن الإجابة نفي ورود أساطير في القرآن.
و هذا هو الذي يدل عليه أيضا ما ذكره القرآن من قبلهم وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ مََا ذََا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ [٢] ذلك لأنهم كانوا يتخيلون استبعاد أن يصدر مثل هذا القصص الأسطوري عن اللّه و لذا وقفوا موقفهم هذا من النبي عليه السلام و من القرآن و اشتطّوا في ذلك و غلوا و هم مخطئون.
و إذا كان إحساس القوم بورود الأساطير في القرآن قويا عنيفا و عقيدتهم في ذلك قوية ثابتة.
و إذا كان القرآن لا ينفي ورود الأساطير فيه و إنما ينفي أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد عليه السلام و ليس من عند اللّه.
[١] التفسير الكبير، جـ ٦، ص ٣٥٤.
[٢] سورة النحل، الآية ٢٤.