الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٥٤ - المعاني التاريخية
هو الواضح من آيات القرآن الكريم إلى أن المشركين كانوا يعتقدون أن الوقوف على أمثال هذه الأخبار الواردة في القصص القرآني ليس شاقا و لا عسيرا فضلا عن أن يكون مستحيلا حتى يصبح معجزا و من هنا ذهبوا إلى أن محمدا عليه السلام يكتتب هذه الأخبار و أنها ليست من الوحي و أن الذي يعلّمه إياها بشر. قال تعالى وَ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلىََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً [١] و قال تعالى وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمََا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسََانُ اَلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هََذََا لِسََانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [٢] بل ذهبوا إلى أبعد من هذا فذهبوا إلى أنهم يستطيعون الإتيان بمثل هذه الأساطير. و لقد صوّر القرآن قيلهم و صوّر صنيعهم.
فقال تعالى مصوّرا هذا القيل وَ إِذََا تُتْلىََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا قََالُوا قَدْ سَمِعْنََا لَوْ نَشََاءُ لَقُلْنََا مِثْلَ هََذََا إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ [٣] . و قال تعالى مهددا أولئك الذين يعارضون النبي و القرآن وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرىََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً أَوْ قََالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قََالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ... [٤] . وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهََا هُزُواً أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ مُهِينٌ*`وَ إِذََا تُتْلىََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا وَلََّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهََا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ [٥] .
و يفهم المفسّرون هذا الصنيع من المعارضة و إنهم ليذكرون لنا أن قريشا كانت تستملح هذه الأحاديث حتى لتنصرف عن النبي عليه السلام إلى النضر بن الحارث و أضرابه. جاء في الكشاف بصدد حديثه عن الآية السابقة «و قيل نزلت في النضر بن الحارث و كان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدّث بها قريشا و يقول إن كان محمد يحدّثكم بحديث عاد و ثمود فأنا أحدّثكم بأحاديث رستم و بهرام و الأكاسرة و ملوك الحيرة فيستملحون حديثه و يتركون استماع القرآن» [٦] .
[١] سورة الفرقان، الآية ٥.
[٢] سورة النحل، الآية ١٠٣.
[٣] سورة الأنفال، الآية ٣١.
[٤] سورة الأنعام، الآية ٩٣.
[٥] سورة لقمان، الآيتان ٦-٧.
[٦] الكشاف، جـ ٢، ص ١٩٣.