الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٥٥ - المعاني التاريخية
كان المشركون فيما هو الواضح من النصوص السابقة يستبعدون أن يكون هذا الذي يأتي به محمد من عند اللّه و من هنا كانوا يسخرون. وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ مََا ذََا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ [١] . و كانوا يطلبون من العلي القدير أن ينزل عليهم العذاب إن كان الذي يأتي به محمد هو الوحي و هو الحق وَ إِذْ قََالُوا اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ أَوِ اِئْتِنََا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ [٢] .
و كان المشركون يعتقدون أن هذه الأخبار التي يجيئهم بها محمد ليست إلا أساطير الأولين و من هنا لم يؤمنوا. و لم يكن لذلك المقياس الذي اعتمد عليه القرآن الكريم في الإيحاء بنبوة النبي عليه السلام و صدق رسالته و هو الإتيان بأخبار السابقين كبير قيمة عندهم.
مضى هؤلاء و جاء من بعدهم قوم لم يقفوا بالمسألة عند حد القدرة على الإتيان بمثل هذه الأخبار و إنما حاولوا مستعينين بمعلوماتهم و معارفهم الطعن في النبي عليه السلام و في القرآن الكريم و ذلك باتخاذ التاريخ مقياسا تقاس به هذه الأخبار و ببيان وجه المخالفة بين الأقاصيص القرآنية و بين ما يعرفون من تاريخ و نستطيع أن نعرض عليك في هذا الموقف بعض المسائل التي وقف عندها الملاحدة أو اليهود و النصارى أو المستشرقون و المبشّرون.
(١) يقول الرازي عند تفسيره لقوله تعالى وَ يُكَلِّمُ اَلنََّاسَ فِي اَلْمَهْدِ... [٣] ما يأتي «و اعلم أن اليهود و النصارى ينكرون أن عيسى عليه السلام تكلّم في زمان الطفولة و احتجّوا عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التي تتوافر الدعاوى على نقلها فلو وجدت لنقلت بالتواتر و لو كان ذلك لمعرفة النصارى لا سيما و هم من أشد الناس غلوا فيه حتى زعموا كونه إلها و لا شك أن الكلام في الطفولية من المناقب العظيمة و الفضائل التامة فلما لم تعرفه النصارى مع شدة الحب و كمال البحث عن أحواله علمنا أنه لم يوجد. و لأن اليهود أظهروا عداوته حال ما أظهر ادعاء النبوة فلو أنه عليه السلام تكلّم في زمان الطفولية و ادّعى الرسالة لكانت عداوتهم معه أشد و لكان قصدهم قتله أعظم فحيث لم يحصل
[١] سورة النحل، الآية ٢٤.
[٢] سورة الأنفال، الآية ٣٢.
[٣] سورة آل عمران، الآية ٤٦.