الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٨٨ - الأدب و التاريخ
بإلقاء هذه الأخبار على الكهنة و كان الكهنة يدّعون الاطّلاع على الغيب و معرفة الأسرار.
يجري القرآن على هذا المذهب الأدبي في محاولته هدم عقيدة المشركين السابقة و قد كانت تعتبر العقبة الأولى في سبيل الدعوة الإسلامية لما فيها من إتاحة الفرصة للمشركين بأن يدعو أن محمدا من الكهّان و أن الذي يطلعه على الغيب هم الشياطين و ليس وحي السماء.
حارب القرآن هذه الفكرة و حاربها تدريجيا و بأساليب مختلفة. فالجن كانت تقعد مقاعد للسمع و لكن الكواكب أصبحت رجوما و الشهب أصبحت رواصد وَ أَنََّا كُنََّا نَقْعُدُ مِنْهََا مَقََاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ اَلْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهََاباً رَصَداً [١] . و الجن تخطف الخطفة حتى بعد رسالة محمد عليه السلام و حتى بعد أن حدثت المعجزة و منعت الجن من الاستراق.
إِنََّا زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِزِينَةٍ اَلْكَوََاكِبِ*`وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطََانٍ مََارِدٍ*`لاََ يَسَّمَّعُونَ إِلَى اَلْمَلَإِ اَلْأَعْلىََ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جََانِبٍ*`دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذََابٌ وََاصِبٌ*`إِلاََّ مَنْ خَطِفَ اَلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهََابٌ ثََاقِبٌ [٢] .
ذلك أسلوب محاربة الفكرة يوم أن كان سلطانها قويا و إيمانهم بها عنيفا و يوم أن كان القرآن في أول عهده بهم و لكن حينما تقدّم الزمن و حينما استقر الأمر في البيئة و اشتهر أمر المعجزة و أخذ القوم يصدقون بالرجم انتقل القرآن إلى أسلوب آخر في محاربة الفكرة فادّعى أن الجن ما كانت تعلم الغيب و أنها لو كانت تعلمه ما لبثت في العذاب بعد أن فارق سليمان عليه السلام الحياة فَلَمََّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ اَلْجِنُّ أَنْ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ مََا لَبِثُوا فِي اَلْعَذََابِ اَلْمُهِينِ [٣] .
و أسلوب المحاورة أولا و آخرا يوقع بعض المفسّرين في إشكالات خاصة حينما يأخذون المسائل مأخذ الجد و يحاولون البحث عن الأجرام السماوية و هل كانت موجودة قبل محمد أو لم تكن؟و إذا كانت فكيف جعلت رجوما؟و هكذا إلى أن يضيقوا هم
[١] سورة الجن، الآية ٩.
[٢] سورة الصافات، الآيات ٦-١٠.
[٣] سورة سبأ، الآية ١٤.