الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٤٠ - القيم الدينية و الخلقية
على صدق رسالته و صحة نبوّته، و ذلك هو الأمر الذي سنتحدث عنه في الفقرة التالية عند حديثنا عن المعجزات، غير أني قبل أن أبدأ الحديث عنها أريد أن أذكر شيئا هو الحديث عن تلك العقيدة التي كانت شائعة معروفة في الجزيرة العربية قبل مبعث الرسول عليه السلام.
قلنا إن التديّن يرمي إلى جلب النفع و دفع الضرر من الآلهة، حتى و لو كانت أوثانا، و نقول إن الأمر الذي ينبني على هذا هو أن الشعب الذي يمن اللّه عليه بالفضل، فيختار واحدا من أبنائه ليكون الرسول، هو الشعب الذي يعتقد بنفسه الفضل، و أنه محل الرعاية و العناية.
و لقد كان الشعب الإسرائيلي يؤمن بهذا، و يذيع ذلك في الجزيرة العربية، و لقد كان لكل ذلك أثره في حياة اليهود في الجزيرة في حياة النبي و الإسلام، و صوّر القرآن عقيدتهم تلك حين ذهبوا إلى أنهم أبناء اللّه و أحباؤه، و حين قال موسى لهم يََا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيََاءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَ آتََاكُمْ مََا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ اَلْعََالَمِينَ [١] .
و لكن القرآن حارب هذه العقيدة، و مضى إلى العكس منها، و ذهب إلى أن الرسالة لا تخص شعبا دون شعب، و لا أمة دون أمة، و أن الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء اللّه ذو الفضل العظيم. قال تعالى إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاََّ خَلاََ فِيهََا نَذِيرٌ [٢] و قال تعالى وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذََا جََاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ [٣] .
فالقرآن كما ترى يجعل الرسالة ظاهرة دينية و اجتماعية لا تخص أمة دون أمة و لا يستأثر بها شعب دون آخر و هذا هو الأمر الذي شرحناه بتفصيل عند حديثنا عن المعاني الاجتماعية.
و نبدأ الآن بالحديث عن المعجزات فنقول:
[١] سورة المائدة، الآية ٢٠.
[٢] سورة فاطر، الآية ٢٤.
[٣] سورة يونس، الآية ٤٧.