الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٨٥ - الأدب و التاريخ
فِيهِمْ إِلاََّ مِرََاءً ظََاهِراً وَ لاََ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً*`وَ لاََ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فََاعِلٌ ذََلِكَ غَداً*`إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ إِذََا نَسِيتَ وَ قُلْ عَسىََ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هََذََا رَشَداً [١] .
ما معنى هذا الترديد في العدد؟و ما معنى هذه النصائح؟
لا نستطيع أن نقول إن المولى سبحانه و تعالى كان يجهل عدد الفتية من أهل الكهف و أنه من أجل هذا لم يقطع في عددهم برأي فالمولى سبحانه و تعالى لا تخفى عليه خافية في الأرض و لا في السماء و إنه ليعلم السر و أخفى. و إنما نستطيع أن نقول إن هذا لم يكن إلا لحكمة و الحكمة فيما نعتقد هي أن المطلوب من النبي عليه السلام أن يثبت أن الوحي ينزل عليه من السماء و أن يثبت ذلك لا بالعدد الحقيقي للفتية من أصحاب الكهف فذلك لم يكن موطن الإجابة و إنما بالعدد الذي ذكره اليهود من أهل المدينة للمشركين من أهل مكة حين ذهب وفدهم ليسأل عن أمر محمد أ نبي هو أم متنبّي. و إذا كان أحبار اليهود قد اختلفوا في أمر العدد و ذكر كل منهم عددا معينا كان على القرآن أن ينزل بهذه الأقوال حتى يكون التصديق من المشركين بأن محمدا عليه السلام نبي و لو ذكر القرآن العدد الحقيقي و أعرض عن أقوال اليهود لكان التكذيب القائم على أن محمدا لم يعرف عدد الفتية و ليس وراء هذا إلا أن الوحي لا ينزل عليه من السماء.
و مثل هذا تماما موقف القرآن من عدد السنين فلم يذكر القرآن العدد الحقيقي و إنما اكتفى المولى سبحانه و تعالى بما يعرفه اليهود و من هنا نصح النبي عليه السلام بأن يقول قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [٢] و لسنا بحاجة إلى أن نقول هنا أيضا بأن العلي القدير لم يعرض عن عدد السنين الحقيقي إلا لحكمة و أن هذه الحكمة هي أن يكون ما يذكر في القرآن الكريم مطابقا لما قاله اليهود للمشركين. و هذا هو الذي أشار إليه بعض الأقدمين من المفسّرين. جاء في الطبري «... فقال بعضهم ذلك حبر من اللّه تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك كذلك و استشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله
[١] سورة الكهف، الآيات ٢٢-٢٤.
[٢] نفس السورة، الآية ٢٦.