الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٨٤ - الأدب و التاريخ
تصويره لوفاة سليمان عليه السلام فقد قال تعالى فَلَمََّا قَضَيْنََا عَلَيْهِ اَلْمَوْتَ مََا دَلَّهُمْ عَلىََ مَوْتِهِ إِلاََّ دَابَّةُ اَلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمََّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ اَلْجِنُّ أَنْ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ مََا لَبِثُوا فِي اَلْعَذََابِ اَلْمُهِينِ [١] فقد قصد القرآن و قد عرض للجن بالحديث في أثناء قصّه أشياء عن سليمان عليه السلام أن يحارب الفكرة الجاهلية الشائعة في الجزيرة العربية وقت البعثة المحمدية من أن الجن تعرف أخبار السماء و تطّلع على الغيب و تلقي ما تعرف من ذلك على العرّافين و الكهّان فقد كانت هذه الفكرة من العقبات القوية إن لم تكن أولى هذه العقبات في سبيل النبي عليه السلام و إثبات نبوّته فلقد كان القوم يذهبون إلى أن الشياطين تملي عليه ما يقول و أنها تسمع هذا الذي تمليه من السماء وَ مََا تَنَزَّلَتْ بِهِ اَلشَّيََاطِينُ*`وَ مََا يَنْبَغِي لَهُمْ وَ مََا يَسْتَطِيعُونَ*`إِنَّهُمْ عَنِ اَلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [٢] .
و هكذا نستطيع أن نمضي في حصر الظواهر التي تثبت لنا مذهب القرآن القصصي و التي تدل دلالة قوية على أن بعض ظواهر الحرية الأدبية التي يمنحها الأدباء لأنفسهم توجد في القرآن الكريم و أن القرآن قد قصد إليها و لكننا نريد أن نقف من كل ذلك عند قصتين اثنتين كانتا موطن اختبار النبي عليه السلام لمعرفة صدقه من كذبه أو معرفة هل هو نبي أو متنبّي و هما قصة أصحاب الكهف و قصة ذي القرنين فإن هاتين القصتين تقدّمان لنا الدليل القوي على المذهب القرآني في العلاقة بين القصة و التاريخ.
أما قصة أصحاب الكهف فنقف منها في هذا الموطن عند مسألتين الأولى مسألة عدد الفتية و الثانية مدة لبثهم في الكهف.
أما من حيث العدد فليس يخفى أن القرآن لم يذكر عددهم في دقة و إنما ردّد الأمر بين ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ و خَمْسَةٌ سََادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ و سَبْعَةٌ وَ ثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [٣] . غو ليس يخفى أيضا أن القرآن الكريم قد ختم هذه الآية بتلك النصيحة التي يتوجّه بها إلى النبي عليه السلام و هي قوله تعالى قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مََا يَعْلَمُهُمْ إِلاََّ قَلِيلٌ فَلاََ تُمََارِ
[١] سورة سبأ، الآية ١٤.
[٢] سورة الشعراء، الآيات ٢١٠-٢١٢.
[٣] سورة الكهف، الآية ٢٢.
غ