الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٤٠ - المقاصد و الأغراض
و النذر و جعلها مسجوعة ذات رنين قوي للتأثير على الحواس فيتضاعف و يقوى أثرها النفسي و قد اتّسم عرضها بالسرعة و التلاحق حتى تؤتي ثمرتها من إشاعة الاضطراب و القلق النفسي فيخشى من يقرأها أو يسمعها نزول الضرر عليه ثم يأتي بمقابل لهذه القصص و هي قصة شعيب مع مدين و يرى أنها هيّنة و ليّنة و بطلها هادئ رزين و أنه يستحق اللقب الذي أطلقه عليه بعض المفسّرين (خطيب الأنبياء) فهو يحاور قومه دون انفعال و لا يستعمل العبارات العنيفة القاسية التي يقطر منها الدم أو يشيع منها التهديد و الوعيد و تنتهي بالنهاية التقليدية السعيدة بالنسبة لشعيب و المؤمنين و المؤلمة بالنسبة للكفرة و المشركين. و قد حدث هذا-أي بالنسبة للنهاية التي يلقاها كل طرف-في قصة موسى و قصة يوسف.
و الغرض أو القصد الرابع هو الإيحاء برسولية محمد عليه السلام و أن الوحي ينزل عليه و يبلغه أخبار السماء و تتأسس العملية في بعض القصص على المشابهة بين حالة محمد عليه السلام و حالة غيره من الأنبياء مثل موسى و غيره و على أن ما طلب إليه أو أوصاه اللّه به هو ما أوصى به الأنبياء من قبل إنما كان العرض فيهما يدخل تحت الأخبار العادية التي لم يقصد بها إلا لفت الذهن إلى قضية من القضايا. أما ما يمكن أن نعدّه قصة و قد عالجت الناحية الثالثة من هذا الغرض هي التي تناولت معرفة أخبار السماء و أن الوحي ينزل عليه بها و ما كان يعرضها قبل ذلك.
و من هذا النوع قصة موسى في سورة القصص و قصة نوح في سورة هود إنما ما يمكن أن نسميه نموذجا في هذا المجال هو قصة مريم في سورة آل عمران و يرى أنه يمكن أن تكون معرض صور و مريم تدخل في كل صورة منها و مع كل شخصية فيها. و يأخذ من ذلك العرض لقطات أو لمحات تفي بالغرض و ينتهي إلى أنه يكفي منها التوجيهات التي تتصل بالمراد أي المطلوب منها قوله تعالى ذََلِكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ [١] و مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [٢] و إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ [٣] .
[١] سورة آل عمران، الآية ٤٤.
[٢] نفس السورة و الآية.
[٣] نفس السورة، الآية ٦٢.