الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٠١ - ٣-الرجال
مََا لاََ يَسْمَعُ وَ لاََ يُبْصِرُ وَ لاََ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [١] و إن موسى عليه السلام في أكثر الأمر لا يعوّل إلا على دلائل إبراهيم عليه السلام. و قال عند تفسيره لقوله تعالى: وَ لَمََّا تَوَجَّهَ تِلْقََاءَ مَدْيَنَ قََالَ عَسىََ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ [٢] ما يأتي: أما قوله عَسىََ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ فهو نظير قول جده إبراهيم عليه السلام إِنِّي ذََاهِبٌ إِلىََ رَبِّي سَيَهْدِينِ [٣] ، و موسى عليه السلام قلما يذكر كلاما في الاستدلال و الجواب و الدعاء و التضرّع إلا ما ذكره إبراهيم عليه السلام، و هكذا الخلف الصادق للسلف الصالح صلوات اللّه عليهم.
و لا نريد أن نعلّل المشابهة بما علّلها به الرازي من أن موسى يعوّل على دلائل جده، و أن تلك سنة السلف الصالح، و إنما نذهب إلى شيء آخر هو أن تلك المشابهة قامت لأن تلك الدلائل التي يرمي إليها القرآن لتقرير الدعوة و هدم الأوثان، و إن الظروف المحيطة بالنبي العربي هي التي كانت السبب في أن ينزل القرآن بمثل هذه الآيات. و سنشرح المسألة بتفصيل عند حديثنا عن القصص القرآني و نفسية النبي العربي إن شاء اللّه.
و نستطيع أن نقول إن شخصيات الرجال في القصص القرآني تتميز بالأحداث التاريخية المعروفة و لا تتميز بالصفات المعنوية من خلق و مزاج، و إنا لو حاولنا فهم ما يعرض لكل منهم من انفعالات نفسية و تأثّرات عاطفية فلا بد لنا من فهم الظروف المحيطة بالنبي العربي، و العوامل المؤثّرة في الدعوة الإسلامية إذ هي التي تفصح لنا عن المواقف التي توضح لنا شخصية البطل و تجلّي صورته. و هذا هو الذي يتمشى مع القصد العام لهذا اللون من القصص و هو التنفيس و تخفيف الضغط العاطفي و إنه ليتحقق كل هذا و لا بد و أن تتشابه المواقف و تتماثل الظروف.
و إذا أردنا أن نختار إحدى الشخصيات لندرسها و نوضح صورتها فلن نجد خيرا من شخصية يوسف. ذلك لأنها شخصية فنية واضحة الصورة، بارزة المعالم
[١] سورة مريم، الآية ٤٢.
[٢] سورة القصص، الآية ٢٢.
[٣] سورة الصافات، الآية ٩٩.