الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٠٣ - ٣-الرجال
هو في بيتها عن نفسه فتتنازعه العواطف، و لكنه يكبت غرائزه و يميت شهواته لينتصر ما في قلبه من حب للخير و صدق في العهد و إيمان بحق البيت و حرمته. و يتكرر الموقف و يحس الفتى بما في نفسه من نزعات بشرية و يخيّر فيختار. يخيّر بين السجن أو التورّط في الإثم فيقول رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمََّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [١] و إلا كانت الصبوة و كان الجهل و الهلاك.
و يوسف رجل متدين، قد أوتي العلم و الحكمة و تفسير الأحلام، ثم هو رجل محظوظ يدخل السجن فيدخل معه من القصر فتيان، و يطلبان إليه تفسير الرؤى و يحاول أن يفيدهم فيعقد بينه و بينهم عواطف الإلف و المحبة و يدعوهم إلى عبادة الواحد الديان، و يطلب إلى واحد منهم، بعد تفسيره الرؤيا، أن يذكره عند ربه و لكن الزمن قد مضى دون ذكر أو انتباه. و يرى الملك رؤياه، و يسعف الحظ يوسف فتتحول نحوه الأبصار و الأسماع، و يحرص يوسف على إزالة ما علق بسمعته من أدران و أقذار، و تعاد المسألة مرة ثانية بين يدي الحاكم، و هو في هذه المرة رب البلاد و ينتصر يوسف و يعرفه الملك فيختاره لنفسه، و يطلب منه يوسف أن يجعله على خزائن البلاد، و يستجيب الملك و يتصرف في خزائن الأرض فينقذ البلاد و ما جاورها من بلاء و أي بلاء.
و يوسف رجل حريص نهاز للفرص يحضر إليه إخوته فيعرفهم و يذكر ما كان بينهم و بينه من كيد و مكر، و يحاول أن يحتال عليهم و يسعفه من طبعه الفطنة فيطلب إليهم أن يأتوه بأخ لهم من أبيهم، و بعدئذ يتحقق القصد حيث يكيد لهم بأن يجعل السقاية في رحل أخيه، و يبدأ بأوعيتهم قبل وعائه، و يرى القوم الواقعة، و لا يفطنون إلى الحيلة فيذكرون ما كان بينهم و بين أبيهم من عهد و حرص على الوفاء، و ينتهي الأمر إلى المصارحة و إلى استحضار أبويه و أهله من بادية الشام.
و يستقبل يوسف أباه بما في نفسه من عواطف البر و الحنان و عواطف التقى و الإيمان و يرفع يوسف أبويه على العرش و يتوجه إلى ربه بالدعاء و الابتهال.
[١] سورة يوسف، الآية ٣٣.
غ