الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٥٧ - مصادر القصص القرآني
لأن القصص القرآني لم يأت لتصحيح أوضاع تأريخية، إنما أتى للعظة و العبرة و الإرشاد و الهداية. و في هذا كله تكفي المسلمات و المعتقدات.
٥-إذا حاك في صدر شخص شيء من هذا و احتاج إلى قدر من الاطمئنان فعليه بالتأويل لمن يعوزه الاطمئنان.
كاتب هذه السطور لا يتعالى على (الثقافة الشعبية) أو ينظر إليها على أنها الثقافة الدنيا أو الثقافة غير العالمة بل ينظر إليها بقدر وافر من التقدير و يضعها في مكانها اللائق إذ أنها تحتوي على رصيد هائل و مخزون ضخم من تجارب الأمة و خبراتها و الدليل على ذلك أنني في كتاباتي أستعمل كثيرا من مفرداتها و أرجع إلى القواميس و المعاجم التي تحمل ألفاظ و تراكيب الثقافة العليا أو الثقافة العالمة فأفاجئ في العديد من الحالات أنها هي المفردات ذاتها و في بعض الأحيان أجدها مع تحوير أو تبديل بسيط فأفتح قوسين أكتب فيهما: و العامة أو العامة في مصر تقول كذا... و مما يشد انتباهي في الثقافة الشعبية الأمثال التي تجري على ألسنة الناس البسطاء إذ أنها في نظري تكثيف شديد و تقطير مضاعف لتجاربهم و خبراتهم.
أقدّم هذه الفرشة السريعة الموجزة التي هي أشبه ما تكون بالبرقية كمسوّغ لهذا المثل الشعبي: (عشّمتني بالحلق... خرّمت أنا و داني) . و شرحه أنك منّيتني بأن تحضر لي حلقا فصدّقتك فقمت بثقب أذنيّ.
هذا المثل ورد على ذهني فور أن فرغت من قراءة و تمحيص الفصل الرابع و هو (مصادر القصص القرآني) ذلك أن خلف اللّه بدأه بأنه سوف يلاقي خطورتين الأولى من أصحاب الثقافة الضحلة و الأخرى من المستشرقين و تحدّث طويلا عن العقول الضيقة و النظر القصير إلخ. و توقّعنا بعد ذلك أن يخب و يضع في موضوع المصادر و يتناوله بجرأة و موضوعية و لا يبالي بأولئك الذين رماهم بكل نقيصة و أضاف إلى جانبهم كل خسيسة و لكننا بعد قليل ذهلنا لأنه انطلق من أرضية أصولية و سطّر لغة نصوصية و تبنّى ثقافة الحفظ و فاصل لهجة العقل و استند إلى حجة الإسلام محمد الغزالي و الخطيب الإسكافي و الرازي و محمد عبده و أضرابهم. و لم يأت في موضوع المصادر و هو جد خطير بأي جديد بل ردّد آراء القدامى و إن حاول أن يدثرها بثياب جديدة و يزمّلها بشعارات حديثة و يلبسها حللا معاصرة.