التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٠ - ٥/ المذاهب القانونية تتكامل
ألف: في البدء نعرف أن للقانون مبادئ ثابتة، هي تلك القيم العليا التي تستوحى من العقل والوحي وتتناسب مع سنن الله (وتقديره وقانونه) في طبيعة الإنسان وفي الحياة والتي فطر كل انسان عليها ولا تختلف من عصر لآخر ولا من شعب لآخر. وقد بحث في ذلك المذهب الطبيعي، وتحدثنا عنه في بحوثنا السابقة.
باء: ثم إن للقانون شكلًا (صورة) وجوهراً (محتوى). وصورة القانون هي تلك التشريعات التي تبدأ بالدستور، وتنتهي باللوائح، وتمرّ بالمواد القانونية. وهذه الصورة لا تصبح قانوناً، إلا بعد مروره بتشريع مشرع (وحي- أو حاكم- أو مجلس تشريعي). وعن صورة القانون وعلاقة بنوده ببعضه، وارادة المشرّع، يتحدث المذهب الصوري والارادي، ولا ريب في اهمية دور هذين المذهبين في سبر غور القانون وفقه أبعاده.
جيم: محتوى القانون يتكيف مع طبيعة الإنسان، والمؤثرات التي تؤثر فيه تنعكس على القانون الذي يشرع من أجله. ومعروف أن الإنسان عقل وارادة عليا، وأيضاً شهوات وأهواء، وحاجات مادية. والقانون الذي يلغي أحد جانبي حياته، يعتبر فاشلًا، ثم لأن الإنسان عقل، فهو يتطلّع إلى اخلاق فاضلة وقيم يتجاوز ذاته بها. ومن هنا ينبغي أن يكون القانون هادياًله إلى حياة أفضل، ولا يجوز أن يكون صورة طبق الاصل لواقعه أنّى كان. وكذلك لأن الإنسان منظومة من الحاجات يجب الاهتمام بحاجاته واحتواء نقاط ضعفه أيضاً.
دال: كما أن الإنسان يتأثر بتاريخه، وبتلك التراكمات من التجارب، ولذلك فإلغاء تاريخ البشر في القانون إلغاء لأصله. وهكذا نعلم بأهمية المذهب التاريخي والتجريبي.
هاء: والقانون يوضع من قبل دولة حاكمة، فلا يجوز إلغاء دورها وصبغتها التي يطبعها على مجريات القانون. وهذا محتوى المذهب السلطوي (هيجل ورسو).
ولكن السلطة ليست صاحبة الحق في تنفيذ اهوائها على الناس. وهنا علينا ألّا نشتبه بين السلطة المنفِّذة للقانون وبين السلطة المشرّعةله. صحيح ان هناك تفاعلًا بينهما، وتأثيرات متبادلة، ولكن جوهر القانون ومحتواه يجب أن يكون بعيداً عن ميول السلطات وأهوائهم.
واو: وانما يوضع القانون من أجل المجتمع الإنساني، والمجتمع كتلة من الحاجات والتطلّعات، ويتطور المجتمع بين حين وآخر، وعلينا دراسة هذا المجتمع دراسة وافية تشمل مكوناته ومتغيراته