التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٨ - ٤/ مفارقات بين مستويات الروح
لقد تحدث (توينبي) عن التحدي الكبير الذي يتعرض له المجتمع، فيستجيب له بفعل استراتيجي في مستواه، وانما التحدي هو الذي يمس أمن المجتمع ويهدده (لولا الاستجابة له بتحد مضاد) بخطر الانقراض. ولكن (باوند) يتحدث عن بعض الاشكاليات التي تعتري المجتمع ولا تصل الى مستوى تهديد كيان المجتمع، بل الى ضعضعة استقراره، وتعريض بعض مصالحه للخطر، والتي يتصدّى لها العقلاء اما بحذف قوانين أو وضع اخرى. مثلًا مع الثورة الصناعية في الغرب والانطلاق الكبير الذي رافقه، برزت اشكالية القوانين الكابحة فحذفت واستبدل بها فلسفة جديدة للقانون، تؤكد على الملكية الخاصة، وتشجيع المبادرات الفردية.
ولنفترض مجتمعاً حراً تعرض لخطر تفشّي الامراض (الجنسية منها بالذات مثل الايدز وازدياد عدد الجرائم وانتشار روح الميوعة والتفكك وما اشبه) فان حكماء هذا المجتمع سوف يلجأون الى كهف المبادئ السامية التي تنقذهم من خطر الفناء، وذلك بالتأكيد على فلسفة الأمن والاستقرار، ووصاية القانون على الفرد. وهكذا اذا غطّ مجتمع في سبات، وأقعدته الانظمة البالية من الانطلاق والنشاط، واحاطت به أغلال التخلّف، هنالك يلجأ الحكماء الى مبدأ الحرية وتأكيد الذات، ويفكّون عنه الانظمة الاضافية، ويطلقون طاقاته في ميادين النشاط. كما فعل رسول الله محمد بن عبد الله- صلى الله عليه وآله وسلم- بمجتمع الجزيرة العربية حيث قال الله سبحانه وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ .. [١].
المبادئ السامية كلها نافعة، ولكن التأكيد على بعضها في ظرف معين وجعل التشريع في خدمته، هو من مسؤولية الحكماء.
وبكلمة: القانون هو وسيلة يستخدمها حكماء كل امة للوفاء بأهم حاجاتهم، ورفع الاشكاليات الحادة التي تعتريهم. ومن هنا يجب ان ننظر الى القانون نظرة مرنة ولا نعتبره أمراً ثابتاً لا يتغير.
ويختلف مجال افكار منتسكيو عن ميدان نظرية باوند.
الف- فالاول كان يؤكد على ضرورة توفيق القانون مع البيئة الحضارية (الطبيعية، والثقافية، والدينية، والاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية) مما لها نوع من الاستمرارية، وتشبه افكاره الى
[١] - سورة الاعراف/ ١٥٧.