من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٥ - سبحان ربك رب العزة عما يصفون
تحمِّله المسؤولية الكاملة تجاه تصرفاته، والأوامر التي يوحيها الله لرسله بأن لا يبالغوا في تبليغهم الرسالة للكفار والمشركين تلتقي مع فكرة الاختيار، فالكفار والمشركون هم المسؤولون عن اختيارهم، وليس من واجب المبلغ للرسالة أن يفرض عليهم اختيارا معينا.
وتنتهي السورة بما صار ختاما لأحاديث الصالحين وهي الآيات الثلاث الأخيرة التي مطلعها تنزيه الله سبحانه، ثم الثناء على رسله، وأخيرا تخصيصه بالحمد.
بينات من الآيات
[١٦١- ١٦٢] إن أفكار الشرك بألوانه المختلفة خاطئة، والإنسان غير مجبور على الاعتقاد بها، ولكنه لكي يرفع عن نفسه المسؤولية يزعم بأنها مفروضة عليه، ولا خيار له إلا قبولها بسبب الضغط أو الإغراء، والقرآن ينقض فكرة الجبر هذه، فيقول فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ وكلمة عَلَيْهِ فيما يبدو تدل على الجبر، فكأن القرآن يقول: إنكم لا تجبرون أحدا على اتباعكم فيما تعبدون لا بالإغراء ولا بالضغط، لأن كلمة الفتنة تتسع لمعنى البلاء، والضغط، والإكراه، كما تعني الإغراء والتزيين، وعموما فإن الفتنة هنا بمعنى الجبر.
وإذا نظرنا في أحوال الذين يعبدون الآلهة من دون الله- من اتباع السلاطين، والأحزاب، وعبدة الأثرياء، والوجهاء، وأدعياء الدين- لرأيناهم يبرِّرون جميعا شركهم بأنهم مجبورون، وأنه لا سبيل لمقاومة الطاغوت، ولا الهروب من شبكات الأحزاب، ولا مقاومة تجويع المترفين، وتضليل الوجهاء، و أدعياء الدين.
كلا .. ربنا الذي خلق خلقه أعطى لخلقه الحرية والقدرة على الرفض، ولكن الشيطان يسول العبودية، و يزينها له.
[١٦٣] فالآلهة المزعومون ليسوا بقادرين على جبر الناس مهما حاولوا، بلى، إنهم يضغطون عليهم، ولكن يبقى القرار الحاسم بيد الإنسان، وإنما يستجيب لهم من تتواجد فيه مقومات الشرك والكفر. إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِي الْجَحِيمِ وذلك دليل حرية الإنسان، وأنه غير مضطر للانحراف، وأن عليه الجزاء شخصيا، لأن الذي يتجاوب مع فتنة المشركين يصلى النار بنفسه ولا يغنون عنه شيئا، وهذا أعظم شاهد على مسؤولية الإنسان، كما هو أفضل علاج لداء التسويف والتبرير، فلو علم المبرِّرون، وأولو الأعذار الواهية أنهم يذاقون العذاب فعلا برغم تبريرهم وأعذارهم، فإن ذلك يقتضي ارتداعهم.
[١٦٤- ١٦٥- ١٦٦] ويُعرِّج السياق مرة أخرى لينقل لنا رد الملائكة عليهم السلام على أباطيل