من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥١ - إن هذا لهو البلاء المبين
نقطة مركزية واحدة هي التضحية بالأبناء من أجل الأهداف التافهة.
إن الله أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه ثم عوضه بالذبح العظيم ليقضي على هذه العادة الجاهلية، ويبدَّل بها سنة إلهية حسنة، جرت لدى البشرية إلى هذا اليوم، وهي ذبح الأنعام في منى عند الحج وفي غيرها، و حينما بدا لله أن يفدي نبيه بالكبش جعل الحادث يمر بوقائع إعجازية عجيبة، فقد كانت السكين تلتوي كلما أدناها إبراهيم من رقبة ولده عليهما السلام وكانت تفت الصخرة لو ضربها، ولكنها تعجز عن التأثير في جلد رقبة إسماعيل الرقيق بحدِّها. ولهذه القصة عبرتان أساسيتان
الأولى: أن على الإنسان التضحية بابنه وبأفضل علاقاته من أجل الدين وفي سبيل الله.
الثانية: وأن يرفض من جهة أخرى التضحية بأولاده من أجل الآلهة المزيفة، حجرا كانت أو بشرا ممن يريدون بلوغ مآربهم وشهواتهم الرخيصة على جسر من دماء شباب الأمة وأفلاذ أكبادها.
إن مقاومة إبراهيم عليه السلام للانحراف الاجتماعي كان أمرا صعبا، وصار أعظم صعوبة حينما جعل الله الطريقة لمقاومته هو ذبح أعز الناس عليه وهو ابنه عليه السلام، وقد وصف الله هذا الامتحان بقوله إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وإنما سمي مبينا لأنه يكشف مستوى الإيمان، ويبيِّن حقيقة الإنسان.
[١٠٧] وبالفعل كشف لنا هذا الامتحان مدى إخلاص النبي إبراهيم عليه السلام وتسليمه لله. هو وولده الذي فداهما الرَّب بذبح من عنده تنزَّل به جبريل الأمين. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وبهذا الذبح سنَّ عليه السلام سنة سار عليها المؤمنون إلى اليوم، فهم يذبحون الهدي بمنى وفي كافة أنحاء العالم اقتداء به، ولعله لذلك سمي عظيما. بل لعله- كما هو مروي [١] في بيان الذبح العظيم وجهة عظمته- السبط الشهيد الإمام الحسين بن علي عليه السلام الذي ذبح على النهر عطشانا بكربلاء فداء لدين الله، ومقاومة للعادات الجاهلية الأموية.
[١٠٨- ١٠٩] وكرامة لإبراهيم الخليل في الدنيا قبل الآخرة، جعل الله له ذكرا حسنا عند البشرية باختلاف مذاهبها وعقائدها، ولخصَّ ربنا هذه الكرامة في كلمة واحدة هي: السلام على إبراهيم. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ومما تجدر الإشارة إليه أن الاستحباب الشرعي في السلام على الأنبياء والصالحين يقتضي تقديم الصلاة على محمد وآله عليهم السلام ثم يذكر الطرف المراد ذكره. فيقول الذي يريد الصلاة على عيسى: على نبينا وآله عليهم السلام،
[١] نور الثقلين: ج ٤ ص ٤٢٩.