من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٥ - ألا إن الظالمين في عذاب مقيم
الدعاء
[اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خُشُوعَ الإِيمَانِ قَبْلَ خُشُوعِ الذُّلِّ فِي النَّار] [١].
وحيث تبلغ الذلة بالظالمين ذروتها يوم القيامة فهم لا يستطيعون الالتفات إلى من حولهم بكامل نظرهم وأعينهم، وبالذات أولئك الذين أظهروا أنفسهم مظهر المؤمنين، وخدعوا الناس في الدنيا، ولذلك فإنهم حينما يريدون الالتفات إلى الناس، أو حتى مجرد رفع طرفهم نحو الآفاق، يختلسون النظرات ذلة ومهانة. يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ بحيث لا يرون أحدا، وهذه من طبيعة المجرم، أو الإنسان حينما يصعد عنده الشعور بالذل.
وقال البعض: إن شدة العذاب تمنعهم من النظر إلى النار، ولكنهم ينشدون إليها خوفا منها وَفَرَقا، ولذلك تراهم ينظرون إليها من طرف خفي، كالذي حكم عليه بالإعدام ينظر إلى المشنقة نظرا خفيا، بعكس الذي ينظر إلى روضة غناء فإنه يملأ منها عينيه.
أما الصالحون فإنهم يستفيدون من هذا الموقف موعظة وعبرة .. وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بسبب ظلمهم وضلالهم. لقد وفَّر الله سبحانه فرصة عظيمة للإنسان حيث أعطاه قوى نفسه، ومتعة بأهليه، والظالمون يفقدون هذه الفرصة، فلا يعملون بأنفسهم عملا صالحا حتى يستفيدوا من طاقاتهم يوم القيامة، ولا يربون أهليهم على العمل الصالح حتى يستفيدوا من حسنات ذريتهم يومئذ، وهكذا تكون خسارتهم مضاعفة في ذلك اليوم الرهيب. أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ أي دائم لا يخرجون منه.
[٤٦] كما أن الظالمين يخسرون أنصارهم وأعوانهم يوم القيامة، حيث تنقطع كل العلاقات والروابط التي منعتهم في الدنيا من الاستقامة على الطريق .. وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهذا المعنى يتكرر عشرات المرات في القرآن، ولكن لماذا تؤكد الآيات على أن الذين يعتمد عليهم الإنسان ويتوسل بهم ويعبدهم، كالطواغيت، وأصحاب القوة والمال، وأصحاب العلم الضال والشهرة لن ينفعوه؟. ذلك لأن من أعظم عوامل الضلالة أصحاب السوء الذين يغتر بهم الظالم فيتوغل في اغتصاب حقوق الناس اعتمادا عليهم. أفلا يتفكر أنهم لا ينفعونه شيئا يوم القيامة؟!.
وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ إلى الهداية، لأن السبيل الوحيد إليها هو سبيله.
وأخيرا: نتساءل: ما هي علاقة هذه المجموعة من الآيات والأفكار المستوحاة منها بموضوع الوحدة ومعالجة الاختلافات الاجتماعية؟.
[١] بحار الأنوار: ج ٩٥، ص ٩٥.