من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٩ - وأمرهم شورى بينهم
[٤٣] وإذا كنا نريد الانتصار على هؤلاء الظلمة فنحن بحاجة ماسة إلى الصبر
أولًا: الصبر والاستقامة أمام إغراءات العدو، فالظالم يبث في المجتمع ألوانا من الأحلام و الأماني وكلها كاذبة.
ثانياً: الصبر لتحدي إرهاب العدو وقمعه.
ثالثاً: الصبر لمقاومة الاستعجال والارتجالية في أنفسنا وعند إخواننا، فما أحوجنا لذلك ونحن نسعى لتنظيم أنفسنا وأمورنا استعدادا لمحاربة العدو.
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ والعزم في الأمور هو أن لا يأخذ الإنسان الأمور مأخذا هينا دون التخطيط الدقيق لها والسيطرة عليها، بل الحسم والإرادة القوية لتحقيق الأهداف المنشودة، بعيدا عن روح التشفي، وذلك لا يتأتى إلا بالصبر والحلم. ويبدو أن هذه الآيات وبالذات الأخيرة منها تهدف- فيما تهدف- تربية نفوس المؤمنين على مقاومة الترف والتعجيل وفورات الغضب التي تصيبهم في لحظات الضعف فتذهب بحلمهم وأناتهم ورفقهم وتلطفهم، وربما كشفت عن واقعهم، وأفسدت خططهم الرسالية. بينما حاجة المؤمنين إلى الصبر بانتظار اللحظة المناسبة حاجة مضاعفة، من أجل ذلك أوصى أئمة الهدى المجاهدين ضد الطاغوت بكظمهم الغيظ، وعَدُّوا ذلك من الحزم الذي يساهم في نجاح المهمات الصعبة. قال الإمام الصادق عليه السلام
[كَظْمُ الغَيْظِ مِنَ العَدُوِّ فِي دَوْلَاتِهِمْ تَقِيَّةً حَزْمٌ لِمَنْ أَخَذَ بِهِ وَتَحَرُّزٌ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْبَلَاءِ فِي الدُّنْيَا وَمُعَانَدَةُ الأَعْدَاءِ فِي دَوْلَاتِهِمْ وَمُمَاظَّتُهُمْ [١] فِي غَيْرِ تَقِيَّةٍ تَرْكُ أَمْرِ اللهِ فَجَامِلُوا النَّاسَ يَسْمُنْ ذَلِكَ لَكُمْ عِنْدَهُمْ [٢] وَلَا تُعَادُوهُمْ فَتَحْمِلُوهُمْ عَلَى رِقَابِكُمْ فَتَذِلُّوا]
[٣]. ويبلغ بالإمام زين العابدين التأكيد على كظم الغيظ تقية درجة يقول
[وَدِدْتُ واللهِ أَنِّي افْتَدَيْتُ خَصْلَتَيْنِ فِي الشِّيعَةِ لَنَا بِبَعْضِ لَحْمِ سَاعِدِي النَّزَقَ وقِلَّةَ الكِتْمَانِ] [٤].
وتزداد صفة العفو أهمية عند المقدرة، وبالذات عند سيطرة فريق على آخر، وما أحوج حكام المسلمين اليوم إلى هذه الصفة الإيمانية التي كانت رمز بقاء الإسلام وانتشار نوره، أفلا تأسوا برسولهم الكريم الذي عفا عن قريش بعد أن شنت عليه (١٧) حربا بكلمة واحدة قائلا
[اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ]
[٥] وعفا عن قاتل حمزة عمه الكريم، بالرغم من أن قتله أحدث في فؤاده
[١] المماضة: شدة الخلق و المنازعة.
[٢] أي ينمي قدركم عندهم.
[٣] بحار الأنوار: ج ٦٨، ص ٤٠٩.
[٤] الخصال: ج ١، ص ٤٤.
[٥] الكافي: ج ٣، ص ٥١٢.