من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٢ - أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين
فمن أجل تلافي معظم الصراعات البشرية لا بد من معالجة نقطة الضعف الرئيسة عندهم وهي عبادة الثروة لكي لا تصبح أداة السلطة الفاسدة، وسببا للحروب التي أفنت لحد الآن أضعاف ما أفنته سائر أسباب الوفاة كالمجاعات والأمراض، والكوارث الطبيعية، ولو حاولنا التقرب إلى هذه الفكرة أكثر يجب أن نعرف بأن التعبير السائد اليوم: (مصالح القوى الكبرى) أو ما إلى ذلك هو التعبير الواضح عن اللهث وراء الدنيا، أولم تدفع هذه المصالح الظالمين لقتل الملايين من الناس هنا وهناك؟.
[٢١] ثم هل يكتفي الإنسان بخوض الصراعات، وإفساد البلاد والعباد، وحسب؟ كلا .. بل يسعى لتبرير تصرفاته ومواقفه من خلال دين يصطنعه لنفسه، ولو درسنا الواقع الثقافي والإعلامي في عالم اليوم لانتهينا إلى نتيجة واحدة، هي أن أكثر النظريات والثقافات منتزعة من الواقع المصلحي للإنسان، فمن أجل حماية مصالحهم تجد هذه الدولة أو ذلك الحزب يبتدعون الأفكار والنظريات المختلفة، فإذا بالصعاليك يؤسسون نظرية الصراع الطبقي، بينما يبتدع المترفون نظرية النخبة، والقرآن يستنكر هذا النهج ويَعُدُّه صورة من صور الشرك. أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ إن الشريعة التي ينبغي للإنسان اتباعها والخضوع لها هي الموحاة من الله وحده، أما الشرائع والقوانين التي يبتدعها البشر ولا يرتضيها الرب فإن إتباعها شرك به عز وجل، والتدبر العميق في هذه الآية يهدينا إلى أن الذي يُشِّرع قانونا مخالفا لشرع الله إنما يُنصِّب نفسه إلها من دونه، والذي يسمى في القرآن دينا ليس القوانين الفيزيائية والكيميائية، إنما القوانين السياسية والاجتماعية و الاقتصادية و .. التي تحكم الناس، وهذه لا يجوز لأحد أن يسنَّ منها شيئا إلا على ضوء شرع الله، ومن خلال رسالته.
وبعد أن يهدِّد القرآن- في آية سبقت- الذين يثيرون الصراعات السلبية، أو يشرعون القوانين، يتوعدهم ربنا في هذه الآية بعذابه الأليم، محذرا لهم من أن تأجيل العذاب ليس دليلا على الإهمال، إنما لأنه وعدهم بإعطائهم الفرصة لبيان طبيعتهم، التي لولاها لأخذهم بالعذاب فور المعصية. وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وتكاد تتميز هذه الكلمات إنذارا، فلولا عهد الله على نفسه بإعطاء الفرصة لهم لكفت هذه الجريمة أي ابتداع نظرية في غير إطار الشريعة- سببا للقضاء عليهم قضاء تاما، ولكن تلك الكلمة وذلك العهد يؤجل العذاب العظيم ولا يرفعه أبدا، وإن الشرك ظلم بذاته وهو ينتهي إلى الظلم أيضا، إذ لا يمكن للنظام الشركي أن يكون عادلا أبدا، ونستوحي هذه البصيرة من تبديل كلمة الظالمين بالمشركين.
[٢٢] وفي يوم القيامة حيث تنصب الموازين الحق للجزاء يخاف الظالمون من أعمالهم