من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧١ - أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين
ولو أن الإنسان اتبع منهاج الرسالة لرزقه الله بصورة أو بأخرى، قال الله وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢- ٣].
وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ العزيز هو المهيمن، والسلطان المقتدر الذي يفرض أمره على الناس.
[٢٠] ولكي يهذب القرآن دوافع الكسب عند الإنسان حتى لا يبعثه نحو الشرك بالله والصراع مع أقرانه، يقارن بين ما يكتسبه الإنسان لدنياه وما يسعى إليه لآخرته، فيقول مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ حيث يبارك الله له في سعيه الأخروي، ويضاعف له الجزاء عند الحساب، فإذا بعمله يتنامى من حين قيامه به حتى يجزى عليه، أولم يقل ربنا مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦١].
ولكن الذي يريد الدنيا بسعيه فإنه لا يحصل على كل أمانيه وإنما يحصل على جزء منها، ثم إنه يعدم أي نصيب له في الآخرة. وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ إذن فعليه أن يسعى من أجل الآخرة عبر القرآن الذي ليس فقط يهدي إلى العلاج السليم بل و أيضا يتضمن العلاج بذاته، وهنا يعالج حرص النفس البشرية على الدنيا بإيصال فكر الإنسان بالآخرة من خلال التذكير بها، وحثه على أن لا يجعلها همه الأكبر فيختلف بسببها مع الآخرين، أو يتصورها محور الحياة الذي يؤول الأمور على ضوئه.
إنه لا يمكن علاج مشاكل الإنسان السياسية والاجتماعية وغيرها إلا إذا ترَّفع عن التبعية المطلقة للدنيا ولشهواتها، ولو تساءلنا عن علة نمو الرأسمالية في أي بلد، الذي ينتهي إلى تسلط الأغنياء على الأمم، لوجدناه حب المال الذي يجعل الناس عبيدا وأصحاب الثروة آلهة مزيفة. ومن جهة أخرى يمهد للحكم الطاغوتي، فإذا بمجموعة من الناس يتسلطون على الناس من خلال سيطرتهم على خيرات الشعوب ومواردها الاقتصادية، الأمر الذي ينتهي إلى الفساد السياسي، ولو فكرنا عميقا في عوامل الفساد في السياسة، لرأينا الطمع والخوف والجهل من أبرز هذه العوامل. ولعل عامل الطمع الناشئ من حب الدنيا في رأس القائمة، لا فرق في ذلك بين النظام الرأسمالي والاشتراكي، ففي النظام الرأسمالي يحتكر أصحاب الثروة- وهم في الواقع أرباب السلطة الحقيقية- المال باسم الملكية الفردية، بينما نجد في النظام الإشتراكي يحتكر أصحاب السلطة الثروة- وهم في الواقع الرأسماليون الجدد- باسم الملكية الجماعية، وهنا وهناك المال. وحتى سبب خضوع الشعب واحد وهو حبه للمال، سواء كان هذا المال بيد الدولة أو كان بيد أصحاب الثروة.