من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٤ - واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم
الوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ العَدْلِ فِي البِلَادِ] [١].
اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وما دمنا متساوين أمام الله لأننا خلقه وهو ربنا، فإننا متساوون أمام القانون وهو كتابه عز وجل، ومن هذا المنطلق ترتكز العدالة على تحمل كل إنسان جزاء عمله لا الآخرين. لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ فكل واحد يتحمل تبعة عمله، دون أن يقدر على إلقائها على الآخرين بعذر أو بآخر. وهذه البصيرة ذات أثر عظيم في إثارة وتحريك الفكر، ووقف حالة الاسترسال. لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ لا جدال ولا خصومة فقد بان الحق وظهر أمر الله، ولسنا نريد أن نكرهكم على قبول الحق، لأن قبول الحق ينفعكم قبل أن ينفعنا، ورفضه يضركم ولا يضرنا. وتوحي الآية بأنه لا يمكن للإنسان إخضاع الآخرين بالجدل لأفكاره. اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا غدا عند الميزان الحق، ويفصل بين الخلافات. وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ فيجازي المسيء، ويثيب المحسن. فعلى المؤمن أن يبلغ رسالته إلى الناس دون جبر أو إكراه، فإن قبلوا اهتدوا، وإن رفضوا و كفروا فإنهم جميعا سوف يحضرون يوم القيامة للحساب حيث يقرر الرب مصير الجميع.
[١٦] ولكي لا يتصور البعض أن ترك الجدال الذي أمر به في خاتمة الآية السابقة يعني أن الجميع على حق، بيَّن السياق عاقبة المجادلين بالباطل، ليدحض هذه الفكرة الفاسدة التي وجد لها أنصار في التاريخ، حيث زعموا صواب كل القضاة الذين يحكمون في موضوع واحد بفتاوى مختلفة، وقد فَنَّدَ الإمام علي عليه السلام هذه الفكرة حيث قال
[تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ القَضِيَّةُ فِي حُكْمٍ مِنَ الأَحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِهِ ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ القَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ ثُمَّ يَجْتَمِعُ القُضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الإِمَامِ الَّذِي اسْتَقْضَاهُمْ فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً وإِلَهُهُمْ وَاحِدٌ ونَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ وكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ أَ فَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالِاخْتِلَافِ فَأَطَاعُوهُ أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ]
[٢]. إن للحق والباطل مقاييس ثابتة وواضحة، والله عز وجل ينصر الحق عندما يحين الأجل المسمى عنده.
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ أي يحاجون الرسول صلى الله عليه واله في مناهجه ورسالاته الإلهية وقد تبيَّن لهم أنه على الحق بعد استجابة الله له. حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يدحضها بالمقاييس والسنن الثابتة، وبإرادته المطلقة منطقيا وعمليا، حيث ينتقم منهم في الدنيا والآخرة. وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ لقد تجلى الحق على يد الرسول صلى الله عليه واله بأظهر شواهده وأسنى آياته، ولقد بادر أصحاب القلوب الزكية إلى الاستجابة للرسالة،
[١] نهج البلاغة: كتاب ٥٣.
[٢] نهج البلاغة: خطبة: ١٨.