من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٢ - واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم
إن البعض يستعجل فض الخلافات، ويريد ذلك في أسرع وقت، ولذلك يبيِّن القرآن هنا فكرة سبق أن بيَّنها في أكثر من موقع، وهي عدم استبعاد الساعة، وإنما توقعها في كل حين.
بينات من الآيات
[١٤] إن العامل الأقوى في اختلاف الناس وتفرقهم ليس هو الجهل بالحق، لأن الحق غالبا ما يكون واضحا بيِّنا، وإنما يختلفون بسبب شهواتهم وأهوائهم التي تقودهم للبغي على بعضهم، فهم المسؤولون عن الخلافات التي بينهم. أوليس قد جاءهم من الله العلم حتى يقضي عليها؟
والمشكلة الرئيسة التي يعاني منها الإنسان؛ وهي أن الإنسان يريد أن يسرق جهود غيره؛ ولذلك نجد أن أكثر أسباب التفرق تنبع من هذه الطبيعة البشرية غير المهذبة. فإذا رضي كل إنسان بما يعمله وينتجه لما حدثت مشكلة في العالم، ولكن كل واحد يريد أن يأخذ من الآخرين زيادة على ما يمتلكه. فكل إنسان يتصور أنه أعلى وأسمى من الآخرين، وكل واحد يظن أن حقوقه أكثر من الآخرين، وأنه يستحق أكثر مما يعطى له. وهنا يستغل الشيطان هذه الثغرة في نفس الإنسان ليوسوس، وليوحي إليه إن حقه مهضوم، وأن الآخرين لا يقدِّرونه حق تقديره .. في حين أن هذا التصور مغلوط من الأساس، لأن الإنسان لا يستطيع أن يقيّم نفسه حسبما يشاء.
ولو استطاع الإنسان أن يتجاوز هذه المشكلة في ذاته لزالت جميع الاختلافات، لأن القرآن الكريم يقول وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وربنا يمهل الناس في تفرقهم، ولكنه لا يهملهم إذ سبقت منه كلمة أن يعطيهم الفرصة لاختبار إرادتهم، ولولا ذلك لكان ينهي الصراعات إلى صالح الحق في أسرع وقت، ويهلك أهل الباطل بلا إمهال.
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ومن أسباب تفرُّق الناس أيضا: ابتعادهم عن القيم التي تمثل ضمان الوحدة .. وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ فبينما كان الكتاب وسيلة للوحدة عند الأجيال الملتزمة التي آمنت به وعملت بآياته، أصبح الشك فيه عاملا خطيرا في التمزق والتفرقة.
ونستنتج من هذه الآية الكريمة أن نهاية البغي تتمثل في خسارتين
الأولى: هي خسارة الدنيا؛ أي إن الله تبارك وتعالى سوف يأخذ هؤلاء أخذاً شديداً، وينهي حضارتهم، ويقضي عليهم لأنهم تفرقوا، ولأنهم بغوا على بعضهم.