من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٢ - الإطار العام الشورى علاج الاختلافات
التوبة عن عباده لأن الانحراف عن الخط القيادي كثيراً ما يقع، فلولا قبول التوبة هلك خلق كثير. وبَيَّن السياق أخيراً بأن الذين آمنوا يستجيبون لهذا الأمر، بينما الكفار الذين لا يستجيبون لهم عذاب شديد (الآيات: ٢١- ٢٦).
زاء: ولأن حب الدنيا والتكاثر من متعها يُعَدُّ أحد الجذور الرئيسة للاختلاف، بعد الاختلاف الطبيعي المشروع، والتفرق في الدين، والتشريع بغير إذن الله، فقد عالجته عدة آيات بينت حكمة تحديد الرزق، فلو بسط الله الرزق بسطاً لبغى الناس في الأرض، فقدره تقديراً حكيماً يتناسب ومقدرة الناس على الاستيعاب، والرزق بيد الله، ولا يجوز الاختلاف عليه، فهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا، ومن أسباب التقتير في الرزق الذنوب. وما أصاب الناس من مصيبة فبما كسبت أيديهم، ولعل من الذنوب الاختلاف الذي يمنع الرزق، وإذا قدر الله العذاب لأمة لا يقدر أحد على دفعه عنها. ومظهر آخر لرزق الله، الرياح التي تنقل سفن التجارة. فهذه الجواري في البحر كأنهن الجبال إن يشأ الله يسكن الريح فيظللن رواكد أو يهلكهن بذنوبهم .. كل ذلك ليعلم الذين يجادلون في آيات الله، وينكرون هيمنة الله أو عذابه أنه لا مفر لهم من عذابه. وبعد كل ذلك، ما هي الدنيا؟ إن هي إلا متاع؛ إذا قيست بما عند الله للمؤمنين في الآخرة الذي هو أفضل وأدوم (الآيات: ٢٧- ٣٦).
حاء: وفي هذا المنعطف يبلغ السياق المحور الأساس في السورة المتمثل فيما يبدو في الشورى التي تكثف التجارب البشرية، ويبيِّنه القرآن ضمن صفات مختلفة للمؤمنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، ويغفرون حين الغضب، وقد استجابوا لربهم (بالتسليم للقيادة الشرعية) وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم، يتبادلون بها خبراتهم، ومما رزقناهم ينفقون (الآيات: ٣٧- ٣٨).
طاء: تلك كانت طائفة من صفات المؤمنين تتعلق بعلاقاتهم بينهم، وهناك طائفة أخرى منها تتصل بمواقفهم من أعدائهم، فهم الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، ولا يخضعون للبغاة؛ بل يحاربونهم، ولكنهم لا يعتدون على الناس، بل جزاء سيئة سيئة مثلها عندهم (الآيات: ٣٩- ٤٠).
ويبين القرآن هنا فضيلة التعافي عندما لا يكون مضراً، ويدحض اتهام مرضى القلوب والسلطات لمن ينتصر للحق، بأنهم مسؤولون عن ويلات الحرب، ويقول: لا سبيل على من ينتصر بعدما يُظلم، إنما السبيل على الظالم. ثم يأمر بالصبر والغفر، ويقول بأنه من عزم الأمور أي الذي يستدعي عزيمة شديدة، ويسوق الحديث في عاقبة الظلم