من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٩ - وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم
والهدف من كل ذلك اللغو الجاهلي الأول، وهذا اللغو الجاهلي العريض هو التغلب على الساحة، والاستكبار في الأرض بغير الحق، مما يعني أن بناء الكفار الثقافي قائم على أساس اللغو والتشويش على بصائر الحق. و نستوحي من الآية عدة حقائق
أولًا: أن كل ما يبثُّه الطغاة من خلال أجهزتهم الدعائية ضلالة ولغو، وإنما الحق ما يبيِّنه الوحي الإلهي.
ثانياً: أن البناء الثقافي للطغاة قائم على أساس مواجهة الحق، والتشويش عليه، أوليست الضلالة هي الانحراف عن الهدى، فهي ليست أصلا أو محورا أو بناءً متكاملا، وهكذا فضح القرآن أهم استراتيجيات الدعاية الكافرة، وهي معاكسة الإعلام الحق، وإثارة الضوضاء والصخب من أجل صرف الأنظار عنه.
ثالثاً: من خلال الهدف الذي يتوخاه الفرد نعرف طبيعة عمله، أوليست الأعمال بالنيات؟ وإن هدف أجهزة الدعاية الكافرة هو الاستكبار في الأرض، والغلبة في الصراع مع الحق، ومن كان هذا هدفه كيف يستطيع أن يهدي الناس إلى الحق؟! إن الهدف هو الذي يحدد مسيرة العمل، واستراتيجية التحرك، بل كيف يهدي إلى الحق من لم يهتد بنفسه إليه.
وحين يكون هذا هدف مجمل التحرك الدعائي عند الكافرين، فإنه ينعكس على أدوات هذا التحرك و الأفراد المشاركين فيه، فكل فرد من العاملين في هذا الجهاز يسعى نحو هدف مصلحي خاص به، فترى الواحد يحلم في الشهرة، والثاني يبحث عن الثروة، والثالث يتمنى أن يكون ذا خطوة عند السلطان، وكيف تهدي أقلام هذه الشراذم إلى الحق؟!
[٢٧] بلى، إنهم يضلون الناس عن الحق، ويمنعونهم عن بلوغ الحقائق، ويحجبون عنهم النور الإلهي، وبحجم الخسارة التي يلحقونها بالناس يكون حجم العذاب الذي ينتظرهم. فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً ولعل هذا هو عذابهم في الدنيا. وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ لعل جزاءهم أسوأ من أعمالهم باعتبار تحديهم لرب العزة، أو تحملهم لعذر الآخرين. ولعل المعنى أنهم يجازون بأسوأ أعمالهم فيكون بالطبع جزاءً سيئا، والله العالم.
[٢٨] لماذا هذا الجزاء الشديد؟ لأنهم أعداء الله، وليس هيِّنا عداوة هذا المخلوق الضعيف لخالقه القوي العزيز. ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ يا له من عذاب عظيم، النار أبدأ ساءت مستقرا ومقاما! ونتساءل: كيف أنهم أضحوا أعداء الله؟ بلى، حين عادوا رسالاته، وألغوا في القرآن، فقد عادَوا الله عز وجل. جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ إن الكفر بالرسالة بعد أن استيقنتها أنفسهم يدل على عداوتهم لربهم.