من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٥ - وخسر هنالك المبطلون
[٨١] فهذه آيات الله يستعرضها ربنا في كتاب الخليقة وفي ثنايا كتابه المرسل، ليعرِّف نفسه إلينا من خلالها، حتى لا نكاد نقدر على إنكارها لشدة وضوحها وكثرتها وتنوعها، فإذا ضل الإنسان فإنما يضل على نفسه، وبعد كمال النعمة وإتمام الحجة. وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ.
[٨٢] وماذا يغني الإنكار- لو أنكرتم- عنكم شيئا؟! إن الحجة قد تمت، والإنذار قد كان بالغا، والانتقام شديد، ولكم في حياة الغابرين عبرة لا ينبغي تجاوزها، أولئك أيضا أنكروا اعتمادا على قوتهم و غروراً بما لديهم من علم، واستهزؤوا بالحقائق إيغالا في اللهو واللعب، فانظروا كيف كانت عاقبة أمرهم، فما راعهم إلا وبأس الله على رؤوسهم، فأعلنوا الإيمان لعله يدفع عنهم قضاء الله، ولكن هيهات!
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ لينظروا مصارع عاد وثمود وأصحاب الأيكة، وليقرؤوا على بقايا قلاع بعلبك، وأهرامات مصر، وأطلال مدينة بابل، وما في المدائن و .. وتاريخ الظالمين. بلى، ساروا وقرؤوا وحفظت كتب التاريخ، ومتاحف البلاد، وروايات الناس كثيرا من هذه الحقائق، ولكن الاعتبار هو المهم. فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وهل أنهم انتهوا لقلة عددهم، أو ضعف عدتهم، ومحدودية آثارهم بالقياس إليهم؟ كلا .. كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ لقد عمروا الأرض بإثارة التراب وتغيير ملامحه أكثر مما فعل هؤلاء فما أغنت عنهم القصور الشامخة، والقلاع المنيعة، والمنائر الضاربة في السماء فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.
[٨٣] لقد اعتمدوا على منطق القوة فرفضوا المنطق السليم، وأرادوا دعم منطقهم بأموالهم وآثارهم في الأرض، زاعمين أنهم على حق لأنهم الأقوى ظاهرا، وأن علمهم هو الأفضل لأنهم أكثر عددا وعدة فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ ولعل معنى الفرح هنا: الاستغناء به عن العلوم الأخرى، كمن يعتز برأيه، وهذا يوجب الانغلاق دون الأفكار الجديدة، وهذه في الواقع عادة الظالمين حيث إنهم يصابون بالتعصب والتقليد حتى لكأن قلوبهم في أكنة، يخشون من كل جديد، وينغلقون دون كل دعوة. وهذا ليس من حكمة العلماء إنما هي صفة أصحاب القوة، فالعلم بذاته يدعو إلى التواضع، ويهدي صاحبه إلى آفاق جهله، وآماد المعارف التي يجب عليه السعي إليها، وقد شبه بعضهم العلم بحلقة في صحراء الجهل كلما اتسعت حدودها لامست مساحات جديدة من هذه الصحراء، لذلك ترى أحد العلماء يقول عند موته عندما يسأل: ماذا علمت؟ يقول: علمت بأني لا أعرف شيئا.
بلى، إننا نجد بعض الجهلاء اليوم يفتخرون بعلم العلماء (لا علمهم هم) ويرفضون