من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٩ - وأفوض أمري إلى الله
لقد قال لهم: إنني أدعوكم لنجاة أنفسكم من النار التي تحيط بكم، بينما أنتم تدعونني لألتحق بكم في سواء اللهب. بلى، إن الكفر بالله والشرك به (كاتباع سلطة غير شرعية) إن ذلك بذاته النار التي هم فيها، أما هو فإن دعوته إلى النجاة منها بالإيمان بالله العزيز الغفار.
أنتم تدعونني إلى الشركاء الذين لا ينبغي أن يدعو أحد إليهم، لأنهم تافهون حقراء، بينما أنا أدعوكم إلى من إليه مصيرنا جميعا، وأنتم تدعونني إلى الإسراف الذي لا ريب ينتهي بصاحبه إلى النار، بينما أدعوكم إلى التقوى.
وتحدَّاهم حين لم يستجيبوا له- بأنه ينتظر وإياهم عاقبة الأمر حين يستذكرون إنذاره، أما هو فقد فوض أمره إلى الله الذي وقاه سيئات ما مكروا، بينما أحاط بآل فرعون سوء العذاب، ففي عالم البرزخ يعرضون على النار صباحا ومساءً، وإذا قامت الساعة يذوقون في جهنم أشد العذاب.
هنالك حيث لا ينفع الضعفاء تبريرهم بأنهم إنما اتبعوا كبراءهم فلذلك لا بد أن يتحملوا عنهم نصيبا من العذاب، كلا، كل من الضعفاء والمستكبرين في النار بحكم الله الذي لا ينقض حكمه أحد.
بينات من الآيات
[٤١] لا يطيب الموت في فم أحد إلا أن المترفين أشدُّ هيبة منه، لأنهم أحرص على حياة الدنيا، وأعمق اغترارا بزخارفها، ولا بد أن يضرب الدعاة إلى الله على هذا الوتر الحساس في أفئدة المترفين، ويذكروهم بالموت وما بعده من الجزاء الشديد، وكفى به موعظة لمن يريد هدى وخلاصا. وهكذا فعل مؤمن آل فرعون حين ذكرهم بعاقبة الدعوتين، دعوة الحق ودعوة الباطل.* وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ إنهم الآن في النار وقد أحاطت بهم من كل صوب، السياسة طغيان، والاقتصاد ترف، والتربية انحراف، والإعلام ضلالة، فهم يتقلبون في سرادقات الجحيم، وإنما يدعوهم المؤمن للنجاة، بما تحتاجه من همة و سعي واجتهاد، ولكنهم يدعونه إلى التوغل في النار. والآية تشملنا أيضا، فباستثناء المتقين يعيش الناس في سواء النار، ما دامت الشهوات تقودهم، والفساد يحيط بهم، وقد قال ربنا سبحانه وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً [مريم: ٧١- ٧٢].
و نتساءل: كيف نحن جميعا في النار إلا المتقين؟.