من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٣ - وما كيد فرعون إلا في تباب
الفقير والمنتمي إلى طائفة مستضعفة مظلومة. ونموذج فرعون يناقض كلتا الرسالتين، لأن مقياس الإيمان أو الكفر هو القلب فتارة يكون خاشعا يسلِّم للحق ولمن يجسده في المجتمع، وتارة يكون متكبرا يكفر بكل ذلك، مهما كان الشخص الذي يمثل الحق، و مهما كانت الآيات بيِّنة واضحة.
ويذكر ربنا في هذا الدرس بهذه الحقيقة، فبينما نجد شخصا كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه مزروعا في قلب النظام الطاغوتي، ومحاطا بكل إرهاب فرعون وإغرائه وتضليله، نجد شخصا آخر يعيش في كنف يوسف عليه السلام، حيث الملك والرخاء والهداية، ولكنه يكفر في قلبه بالحق، ولا يؤمن إيمانا حقيقيا بيوسف وبربه.
بينات من الآيات
[٣٤] يوسف عليه السلام هو أحد الأبناء الاثني عشر ليعقوب عليه السلام الذي يسمى بالعبرية إسرائيل أي عبد الله، ومن صُلْبِ هؤلاء الأخوة انسل بنو إسرائيل في اثني عشر سبطا وقبيلة، ويوسف كان أحد آبائهم الكبار. وقد بُعِثَ يوسف عليه السلام بالرسالة وأصبح ملكا مقتدرا يخضع له أهل مصر، فقد جمعت عنده الكمالات المادية بالملك والسيطرة، والمعنوية بالرسالة، وبالرغم من ذلك كفر به البعض، ولكنهم قالوا في أنفسهم: لا نظهر هذا الكفر بل ننتظر حتى يموت يوسف فنسيطر بعده على الحكم والملك. وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ أي قبل موسى عليه السلام بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ لأن قلوبكم لا تريد الإيمان، وإلا فالأدلة واضحة. حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا مع أنه عليه السلام جاءهم بالخير والفضل، ولا يدل موقفهم إلا على الضلال الذي كتب عليهم بسبب إسرافهم وترددهم في الريب. و الآية توحي بأن شعب مصر أسلم ظاهرا على يد يوسف إلا أنه كان يحبذ العودة إلى ضلالته، لأنه كان فاسدا بالإسراف والارتياب، وسرعان ما عاد إلى كفره بعد هلاك يوسف، وكأنه قد استراح بموت يوسف .. وهناك أحاديث تدل على إسلام الشعب المصري على يده.
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ وهنا تكشف الآية عن سبب موقفهم المنحرف من الحق، وهو إسرافهم من الناحية العملية، فلا يقنعون بما عندهم من الخير والنعمة، وارتيابهم من الناحية النظرية والنفسية، فلا يسلمون للحق والبينات. والاسراف وهو وصف لاحق فرعون في أكثر من موضع في آيات القرآن، وهنا في هذه السورة. إذ الإسراف يخلق شدة ارتباط بين الإنسان وبين الشهوات وتشتد معه حالة الرفض والتكذيب لما يعاكس تيار الشهوات، فتختل مقاييس التفكير السوي، ويتولد الارتياب في الآخرين سواء لمخالفتهم تيار الشهوات حين يتعلل المسرفون بتبريرات ثقافية تزين لهم باطلهم، أو لأن النفسية المنغمسة