من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٦ - ومن يضلل الله فماله من هاد
يعلم هو بخطئه وقصوره عن مواجهة موسى ورسالته بهذا الأسلوب حاول تجاوز هذا الرأي وإقناع أصحابه بقبول خطته القاضية بتصفية موسى عليه السلام تصفية جسدية، وطالما يتكرر بصورة مستمرة في الحركات الرسالية الناهضة أن مفجرها يثير الخلاف في صفوف الطواغيت وقراراتهم تجاه هذه الحركات. ولأن فرعون تبنَّى قرار التصفية الجسدية أراد إقناع المخالفين له بصحة رأيه، وذلك بتبرير أن موسى عليه السلام لم يكتف بقوة المنطق وحسب وإنما تسلح أيضا بمنطق القوة. إذن مواجهته بهذا الأسلوب أمر موضوعي في رأي الطاغوت.
وَلْيَدْعُ رَبَّهُ الذي تحدانا به كثيرا، وهذا منطق كل الطغاة، إنه لو كان المؤمنون الرساليون على الحق إذن لكانوا أقوياء و لانتصروا لأنفسهم فعلا! إلا أن خلط القوة بالحق، وجعل القوة الظاهرية الآنية مقياسا لمعرفة الحق من الباطل خطأ كبير يقع فيه الطغاة، لأن الحق قانون لا يتحدد بالقوة والإرهاب، فقد يكون الحق ضعيفا لعوامل خارجة عن إرادة أصحابه، وقد يكون الباطل قويا ولكن هذا لا يجعل الباطل حقا والحق باطلا أبدا، وفيما يلي من الآيات نجد المزيد من البيان في خطأ هذه الفكرة التي يعتمدها الطغاة في تضليل الناس لأن هذه الفكرة من الأسس التي تقوم عليها الأنظمة الفاسدة وتعطي لنفسها- لذلك- حق ممارسة الإرهاب والقمع، وتبريره بشتى الحجج، فهذا فرعون يحاول تبرير قراره الإرهابي وتهيئة المعارضين له لقبوله، بقوله إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أي أفكاركم وثقافتكم، وكل أفكار يلتزم بها الناس فهي دينهم، وتبدل ثقافة الناس من ثقافة التخلف والقبول بالطاغوت إلى ثقافة رسالية حضارية من أشد الأمور خطورة على الطواغيت، فهم يخافون من حدوث ذلك كما صرح فرعون بنفسه. أوليس النظام الطاغوتي هو إفراز لثقافة المجتمع وبقاؤه يعتمد على سكوته؟ إذن فأي تغيير إيجابي في هذه الثقافة، يعني تعريض النظام الحاكم للتغيير أيضا.
وحيث أحس فرعون بخطورة الحركة الرسالية سعى بالإضافة إلى ضغطه على تيارها الاجتماعي ومؤيديها لفصلهم عنها، وقراره بقتل قائدها، سعى إلى إثارة الناس ضدها عن طريق الإيحاء لهم بأنها تحارب دينهم وما التزموا به هم وآباؤهم، هذا فيما إذا سكت فرعون، أما إذا لم يبادر إلى القضاء على موسى عاجلا فسيستفحل أمره وتكون المواجهة حتمية لاختلاف النهجين في المستقبل وحينها سوف تقع الفتنة بين الناس، و تسبب في قتل الناس وتدمير اقتصادهم، ويحتمل أن فرعون يصف مشروع التحرر الذي تتضمنه رسالة موسى عليه السلام بالفساد من حيث إنها تهدم ثقافتهم وأنظمتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي حقيقتها الظلم والاستغلال للمستضعفين. وهكذا صور فرعون لقومه وقال أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ وهاتان التهمتان هما في عرف السياسيين اليوم أخطر ما يمكن توجيهه للمعارضة وخاصة في البلاد المحكومة بأنظمة استبدادية جائرة، والقرآن يختصر بهذه العبارات الموجزة