من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٥ - ومن يضلل الله فماله من هاد
هدى من الآيات
تتكرر في القرآن قصة موسى مع فرعون وذلك لأسباب شتى من أهمها أن هذه القصة تكشف خلفيات الصراع بين المستضعفين والمستكبرين، الذي ينتهي بانتصار المستضعفين حين يتوسلون بالله، ويتبعون القيادة الشرعية التي تستمد مواصفاتها من الحق المتجلي في رسالة الله.
بينات من الآيات
[٢٥] حينما جاء موسى بالتوراة وواجه فرعون وأتباعه بالبينات لم يكن عندهم منطق حق لمواجهته، لهذا توسلوا بالإرهاب الذي يمثل منطق القوة. فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وقد كانوا يريدون من وراء ذلك الضغط عليهم لكي يتنازلوا عن مسيرتهم الرسالية، ويتخلوا عن الجهاد تحت راية الحركة الالهية وقيادتها المتمثلة في نبي الله موسى عليه السلام، وهذا من أهم ما يتوسل به الطغاة في خططهم الرامية لمواجهة الحركات الجهادية عبر التاريخ، ولكن إذا استقامت الجماهير وواجهت طلائعها الضغوط بوعي وحزم استطاعت إفشال خطط الطغاة.
وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ والكيد هو الخطة الماكرة التي يستهدف صاحبها النيل من عدوه وربنا يصف كيد الكافرين والطغاة (كفرعون) بأنه لا ينتهي إلى النتيجة التي يتطلعون إليها، بل ربما جاءت النتيجة مخالفة لمصالحهم، لأن أمرهم يشبه من يرمي في الظلام ولا يدري لعله يقتل أقرب الناس إليه. والسبب أن الخط الاستراتيجي العام للكفار خط منحرف، فكلما حاولوا تكتيكيا أن يخططوا لأنفسهم انتهت خططهم للفشل بسبب انحراف أفكارهم، كما لو افترضنا شخصا يريد الذهاب إلى مدينة تقع شمالا ولكنه يتحرك باتجاه الجنوب، فإنه مهما حاول أن يكون تحركه دقيقا ومدروسا فلن يصل إلى هدفه المنشود، وفكر الكفار خاطئ لأنهم يكفرون بالنقطة المحورية في الخليقة وهي الإيمان بالله عز وجل.
[٢٦] فالجانب الأول من خطتهم أن يفصلوا الناس عن الحركة الرسالية من خلال الإرهاب والضغوط، أما الجانب الثاني منها الذي يستهدف القضاء على التحرك الايماني النهضوي في المجتمع فهو القضاء على النبي موسى عليه السلام محور الحركة وقائدها وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ومن كلمة فرعون ذَرُونِي يتضح أن خلافا تفشى في بيته حول تحديد الموقف المناسب من النبي موسيعليه السلام، ولعله كان من رأي جماعة منهم ضرورة الاستماع إلى دعوته ومقارعة الحجة بالحجة، وكان هذا الرأي يمنع فرعون من قتله، وحيث