من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٣ - الإطار العام عواقب التكذيب بآيات الله
ويفصل الكتاب ذات الحقائق من خلال حوار ساخن بين موسى عليه السلام (الرسول) وهارون عليه السلام (وزيره) والمؤمن (الذي صدَّق بهما) من جهة، وبين فرعون (الطاغية) وهامان (وزيره) وقارون (الذي اتبعهما) من جهة أخرى، وتحول الحوار إلى صراع، وانتهى الصراع بمصرع آل فرعون، وتدمير حضارتهم، وعذابهم بالغدو والآصال في البرزخ، وإقحامهم والتابعين في جهنم، وساءت مصيراً. (الآيات: ٢٣- ٣٤).
وتتجلى في السياق صورة مؤمن آل فرعون مثلًا رائعاً لشخصية المؤمن الصلبة ونفاذ بصيرته، وقدرته الربانية على تحدي الطغيان المادي، مما جعلت اسمه عنواناً لهذه السورة الكريمة.
ثانياً: وخلال الحوار والصراع والتحدي يذكرنا الكتاب مرة ثانية بقضية الجدال في آيات الله وكيف ينتهي بصاحبه أن يطبع الله على كل قلبه، ويمسي كفرعون الذي بلغ به الغرور الأهوج حداً قال لوزيره هامان: ابنِ لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب، ومضى في طريق الغواية حتى النهاية البائسة، بينما دعا الصدِّيق إلى اتباع نهجه الذي هو نهج الرشاد (الآيات: ٣٥- ٣٨)، وركزَّ على مسؤولية البشر عن أعماله ومواقفه، ثم فوض أمره إلى الله بعد أن تحداهم بقوة، وكانت العاقبة أن الله وقاه من سيئات ما مكروا، بينما حاق بآل فرعون سوء العذاب، ولم يفلت المستضعفون من العاقبة ذاتها التي كانت للمستكبرين، لأنهم جميعاً جادلوا في آيات الله وعصوارسله (الآيات: ٣٩- ٥٠). أما رسل الله والذين آمنوا فإن الله ينصرهم في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، إلا أن عليهم الصبر والاستغفار وأن يسبحوا بحمد الله بالعشي الابكار (الآيات: ٥١- ٥٥).
ثالثاً: وفي المرة الثالثة يحذِّرنا السياق من الجدال في آياته، مبيِّناً- هذه المرة- الجذر النفسي لهذه اللعنة التي تصيب القلب، وهي الكبر الذي لن يبلغه صاحبه. وبعد أن يأمرنا بالاستعاذة بالله العظيم يهدينا إلى عظمة خلق الله للسماوات والأرض، ويوحي إلينا أن الكبر عمى والإيمان بصيرة، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، ثم يأمرنا بالدعاء لأنه شفاء من الكبر (الآيات: ٥٦- ٦٠).
وحسب المنهج القرآني الفريد، فإن الله يلقي على الأفئدة السليمة آياته (الآيات: ٦١- ٦٢) ثم يحذِّرمن الجحود بها، لأن من يجحد بها يؤفك عن الحق (الآية: ٦٣). ويعود يذكرنا بآياته المبصرة، وبأنه الحي الواحد، ويأمر رسوله بتحدي آلهة الزيف، ويذكرنا بأنه يحيي ويميت (الآيات: ٦١- ٦٨).
رابعاً: ينهى عن الجدال في آيات الله (الآية: ٦٩) وينذر الذين كذبوا بالكتاب بأنهم