من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٦ - وقيل الحمد لله رب العالمين
٢٣]. أو بجعل الأكنة على القلوب وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الأنعام: ٢٥]. وهذه التعابير وتلك كلها تسير إلى سلب الله الإنسان حينما يصر على الانحراف والضلال إرادة الهدى فيجد نفسه مجبولا على الفساد والاستمرار في طريق الباطل.
إن الاختيار، والإرادة، والحرية من أكبر نعم الله على الإنسان، وإذا سلبه ربه هذه النعمة فبماذا يختار الحق على الباطل، والمستقبل الأخروي على الحاضر الدنيوي؟ وإن استحقاق الكافرين لكلمة العذاب هو بكفرانهم بنعمة الحرية وتضييعهم فرصة الاختيار على أنفسهم.
[٧٢] ولأنهم حقت عليهم كلمة العذاب بانحرافهم في الدنيا، تحقق ذلك العذاب بواقعه المحسوس في الآخرة. قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا بتمحضكم في الكفر، وعلى الإنسان أن لا يغتر بأعماله أبدا لأنه قد يستطيع أن يغلق عن نفسه باب الزنا من النار، ولكنه يدخلها من باب الاستسلام للطاغوت والتقاعس عن الجهاد، فيجيب علينا إذن لكي نزحزح عن النار أن نغلق كل أبوابها عن أنفسنا، وذلك بعمل الصالحات وترك الذنوب جميعا التي هي مفاتيح أبواب جهنم، وأهم تلك الأبواب وأخطرها باب المتكبرين الذي يخصصه القرآن هنا بالذكر والذم من بينها كلها. فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ.
[٧٣] وفي الجانب الآخر يحدثنا ربنا عن مصير المؤمنين المتقين الذين يزفون بالترحيب والتحية إلى قصورهم، وحورهم، وعموم جزائهم في الجنة. وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وللجنة ثمانية أبواب كما في الروايات [١]، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله
[لِلْجَنَّةِ بَابٌ يُقَالُ لَهُ بَابُ المُجَاهِدِينَ يَمْضُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مَفْتُوحٌ وهُمْ مُتَقَلِّدُونَ بِسُيُوفِهِمْ والجَمْعُ فِي المَوْقِفِ والمَلَائِكَةُ تُرَحِّبُ بِهِمْ ثُمَّ قَالَ فَمَنْ تَرَكَ الجِهَادَ أَلْبَسَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ذُلًّا وفَقْراً فِي مَعِيشَتِهِ ومَحْقاً فِي دِينِهِ إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أَغْنَى أُمَّتِي بِسَنَابِكِ خَيْلِهَا ومَرَاكِزِ رِمَاحِهَا]
[٢]. وقال الإمام الباقر عليه السلام
[أَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ عَرْضُ كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَة] [٣].
وإذا دخل المؤمنون الجنة استقبلهم الملائكة الموكلون بها، يلقون إليهم تحية ربهم عزَّ وجل. وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ولا يطيب الإنسان وبالتالي يدخل الجنة إلا إذا اجتنب الذنوب والمعاصي في الدنيا، فزكى نفسه بذلك وبعمل الصالحات، لأن الجنة دار الطيبين فقط.
[١] راجع التعليق الذي مر في الرواية المتقدمة عن النار.
[٢] الكافي: ج ٥، ص ٢.
[٣] بحار الأنوار: ج ٨، ص ١٣١.