من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٦ - إن الله يغفر الذنوب جميعا
[٥٩] ونعود للسياق القرآني في هذه السورة بعد هذا الاستطراد لنرى رد القرآن على تلك الأقوال التي تتكرر على لسان أًصحاب النار يوم القيامة، يقول تعالى بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي وكان بإمكانك أن تتجاوز الحسرة والملامة، وأن تهتدي للحق، وأن تنتفع من فرصة الحياة الدنيا. فَكَذَّبْتَ بِهَا أولًا. وَاسْتَكْبَرْتَ على الحق الذي جاءت به ثانياً، وهذه المرحلة من أخطر مراحل المعصية. وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ حيث أنكرت إنكارا تاما ما جاءت به، هذا ثالثاً.
[٦٠] وأهم ما كان يكذِّب به الكافرون هو البعث ويوم القيامة، الأمر الذي جعلهم بعيدين عن تحمل المسؤولية، وهل يتحمل المسؤولية إلا من يؤمن بالجزاء؟؟ ولعله من هذا المنطلق جاء ذكر القرآن لهذا اليوم العظيم. وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ فأشاعوا الضلال، وافتروا على الله كذبا بأنه يأمر بالفحشاء والمنكر. ومن أبرز المصاديق العملية للكذب على الله هو أن يدَّعي الإمامة من ليس أهلا لها، وفي تفسير هذه الآية، هناك حديث مأثور عن سورة بن كليب عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قُلْتُ لَهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلّ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ قَالَ عليه السلام
مَنْ قَالَ إِنِّي إِمَامٌ ولَيْسَ بِإِمَامٍ؟.
قَالَ قُلْتُ: وإِنْ كَانَ عَلَوِيّاً؟ قَالَ عليه السلام
وإِنْ كَانَ عَلَوِيّاً.
قُلْتُ وإِنْ كَانَ مِنْ وُلْدِ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام؟. قَالَ عليه السلام
وإِنْ كَانَ)
[١]. فيجب على الإنسان أن لا يدَّعي شيئا لا يحق له وإلا فهو يرتكب الحرام، وإذا كان ادعاء الإنسان المعرفة بالطب قد يتسبب في قتل عشرات الناس الذين يتعالجون عنده، فإن ادعاءه الإمامة و الرئاسة كذبا سوف يفسد كل النظام، الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، فعليه إذن أن يتجاوز مشكلة حب الرئاسة، وأن يتواضع للحق ويسلم لأهله.
والكَذَبةُ لا تسعهم رحمة الله على سعتها اللامتناهية، بل يحشرون يوم القيامة في هيئة مخزية لهم. وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ بآثار الكذب والمعاصي، وبالتالي بانقطاع نور الله عنها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠].
ويستفهم منا السياق فيقول أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ويتركنا نحن الذين نجيب عنه بأنفسنا فنقول: بلى، لنقر بوجود هذا المثوى في جهنم، فنخاف مما أعده الله للكاذبين من العذاب فلا نتكبر.
[١] الكافي: ج ١ ص ٣٧٢.