من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٠ - إن الله يغفر الذنوب جميعا
بينات من الآيات
[٥٣] كانت آيات الدروس الماضية شديدة على من اتخذ من دون الله ندا أو شفيعا، أو احتسب الرزق من علمه، حتى تكاد تتفجر لهبا، والذين يتلون الكتاب حق تلاوته توشك قلوبهم أن تتصدع من وقع آيات الزمر عليها، ليس فقط لنفاذ بلاغتها، وقوة صعقاتها المتتالية، وإنما أيضا لبيان جدية الحساب، ومدى دقته مما يضيق الأمر على البشر بحيث لا تتخلص نفس منها، فحتى الصالحون من عباد الله قد يقعون في خطأ نسبة الرزق إلى علمهم أو الزعم بأن هناك من يشفع لهم من دون الله أو يشوب قلوبهم ما يتنافى ونقاء نياتهم. ولعل خطر اليأس من روح الله كان قريبا من قلوبهم عند تلاوتهم لهذه الآيات أكثر من أي وقت آخر، فجاءت هذه الآية التي هي الأرجى بين آيات الرحمة في الكتاب لإعادة التوازن إلى نفوسهم. أوليس قلب المؤمن يعيش بين شدة الخوف وشدة الرجاء؟* قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ إنها قمة في الحرمة، أن يدعو الرَّب المسرفين من خلقه بهذه الكلمة (عبادي) التي تختلف عن كلمة (عبد) حيث يختص الخطاب بها بالعباد الصالحين عادة، لكنها هنا تشمل- كما رحمة الله- حتى الذين تجاوزوا الحدود، فلم يلتزموا بالشرائع الإلهية، بل وأسرفوا في المعاصي والذنوب، إلا إن الله لم يطردهم عن باب رحمته التي وسعت كل شيء، إنما فتحه لهم على مصراعيه، ودعاهم إلى التوبة، كما نهرهم عن القنوط واليأس. لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ قالوا: القنوط بذاته هو اليأس من الرحمة، فلما أضيف إلى الكلمة مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ كان تأكيدا للأمر.
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً كل الذنوب بلا استثناء، وإذا كان في آيات الرجاء في القرآن بعض الاستثناء فإن كلمة جَمِيعاً هنا بعد كلمة الذُّنُوبَ التي هي أصلا للعموم، تزيد الجملة سعة، مما يشمل الكبائر كالزنا والغيبة، أو القتل و خدمة الظالمين، وأظن الآية تعني بالخصوص الذنوب القلبية، التي تقترب من الشرك بالله، وانعدام الخلوص في الدين، مما سيقت في آيات هذه السورة.
وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
(مَا أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا بهذِهِ الآيَةَ)
[١]. وقال أمير المؤمنين عليه السلام وهو يؤكد التفسير المتقدم للآية
(مَا فِي القُرآنِ آيةٌ أَوْسَعُ مِنْ
قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) [٢].
وفي نهاية الآية نفسها نجد تأكيدا على رحمة الله، ودليلا على سعتها وشمولها إذ يقول
[١] مجمع البيان: ج ٨، ص ٦٤٨.
[٢] المصدر السابق: ص ٦٤٨.