من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٤ - الإطار العام الإنسان؛ العمل والانتماء
ويستمر السياق القرآني لهذه السورة في بيان نموذجين من الناس، ويوازن بينهما لنعرف أنهما ليسا سواءً في الجزاء؛ ولكي يزيدنا وعيًّا بهما وازن بين النور والظلام، والصلاح والفساد، ووضح الفوارق بيَّنهما. كما بينت السورة خصائص القرآن، وكيف تتلقاه النفوس الطيبة، وكيف يضرب الله فيه من كل مثل للناس لعلهم يتذكرون.
وحينما يشرح الله صفات القانتين- وهم أئمة الهدى- وميَّزهم عن أصحاب النار من أئمة الكفر، عاد إلى بيان أشياعهم؛ فهناك من يجتنب الطاغوت، ويستمع القول فيتبع أحسنه، وهناك من حقّت عليه كلمة العذاب.
ثم تذكرنا الآيات بالعقل الذي هو لب الإنسان، الذي يهدي الله به قوماً، فيجعلهم من أصحاب الجنة. ويوقظ العقل بآيات الله في الخليقة، حيث يذكرنا بالدورة النباتية التي تبدأ بنزول الغيث واختزان الماء في الينابيع وإخراج الزروع المختلفة، وتنتهي بالحطام.
وتعالج السورة موضوعاً هاماً آخر، وهو شرح الصدر إلى الإسلام، والتسليم لله ولسننه وشرائعه في الحياة، ليكون الإنسان على نور وبينة من ربه.
وتهبط آيات القرآن كالصاعقة على القلب الغافل، فتفجر فيه طاقات الفهم، وتثير فيه دفائن العقل، فتهديه إلى حقيقةالموت الذي يقف لكل حيِّ متربصاً، ولكن الموت أهون المراحل التي تنتظره، فوراءه ما هو أعظم، كالاختصام والحساب والكتاب وربما العذاب الأبدي الكبير.
وفي مقطع من مقاطع هذه السورة، يذكِّرنا ربنا برحمته الواسعة، وإلى أي مدىً يمكننا الاستفادة منها. أو ليس الله أنعم علينا برزقه الواسع، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة؟
إن آيات الله في الكون، ليست دليلًا- فقط- للإنسان على وجود الله، بل وطريقاً إلى معرفته المعرفة الأسمى أيضاً. وعلى الفرد أن لايكتفي بدرجة من الإيمان، بل يتابع مسيرته التكاملية حتى يصل إلى درجة العرفان. وللعرفان أيضاً درجات، فكلما تفكر الواحد في آيات الله في الآفاق وفي نفسه، والتحولات والتغيرات التي تحدث لديه، ازداد يقيناً ومعرفة حتى يبلغ الحد به أن يقول كما قال الإمام علي عليه السلام
(لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً) [١].
وبعد ذلك تفتح الآيات لنا باباً من أبواب يوم القيامة الذي لا سبيل للخلاص من عقباته وعذابه إلا بالتوحيد والتقوى. أما الشرك؛ فإنه يحبط أعمال الإنسان ولو كانت من النبي صلى الله عليه واله
[١] بحارالأنوار: ج ٤٠، ص ١٥٣.