من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٠ - إني مسني الشيطان بنصب وعذاب
على الطريق.
وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ما يحتاجه الإنسان لبلوغ التكامل القوة والرؤية، فبقوته يحقق ما يراه. ويبدو أن ظاهر الآية يدل على وجود الأيدي (القوة) عند الأنبياء والأبصار (الرؤية) إلا أن باطنها القوة في الإيمان، والبصيرة في الدين، وهكذا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر عليه السلام قال
(أُولي القُوَّةِ فِي العِبَادَةِ وَالبَصَرِ فِيْهَا) [١].
والجدير بالملاحظة أن ربنا اكتفى هنا بالدعوة إلى تذكر هؤلاء العظماء، دون أن يعرض لنا مشاهد من حياتهم نعتبر بها، وهكذا في موارد كثيرة من القرآن، وذلك لأسباب
الأول: أن مجرد تذكر الرسالي بأنه ينتمي إلى خط فيه هؤلاء العظماء الذين أسسوا تأريخ المجد للبشرية، هو أمر مفيد جدا، يعطيه الإيمان والثقة والاستقامة بالرغم من كل العوامل والظروف المضادة، إذ لا يشعر وهو يعاني من الرفض والحرب بشتى صورها بالضعف والوحدة، وهو يشعر بانتمائه إلى هذا الخط، وإلى هذا التأريخ العظيم.
الثاني: أن القرآن وحدة واحدة، ويكمل بعضه بعضا، فيمكن لقارئه أن يجد في سورة الصافات تفصيل ما أشارت إليه سورة محمد صلى الله عليه واله، وهكذا بالنسبة لسائر السور مع بعضها، وعلينا ألا نكون من الذين اتخذوا القرآن عضين، فصارت نظرتهم إليه نظرة تجزيئية، بل نسعى لمعرفة آيات القرآن من خلال نظر شمولي إليها جميعا.
[٤٦] ثم إن القرآن عرض أهم ما يستفاد من حياتهم، لكي يؤكد بأن القصص التي يوردها ليست للتسلية أو مجرد زيادة المعرفة بالتأريخ إنما هي للتعلم والموعظة. يقول تعالى عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ حينما يقرأ الإنسان أو يسمع عن حياة العظماء، أول ما يجب أن يتطلع إلى معرفته هو سر عظمتهم، لا لكي يعرف وحسب بل لكي يأخذ بأسباب العظمة أيضا، وسبب عظمة هؤلاء ورفعة شأنهم، هو الإيمان الخالص بالآخرة وتذكرها، الذي كان يزيدهم بعدا عن المعصية وقربا إلى الطاعة. أوليس ربنا يقول في سورة الممتحنة قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ثم تتواصل الآيات إلى قوله تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الممتحنة: ٣- ٦]. إن العوامل الأخرى لم تتدخل في صياغة شخصية هؤلاء، إنما بقي ذكر الآخرة وحده خالصا هو الذي يؤثر فيهم، فحينما آمنوا بالله تعالى، وتحملوا
[١] تفسير القمي: ج ٢ ص ٢٤٢.