من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٧ - إني مسني الشيطان بنصب وعذاب
كُلِّ شَيْ ءٍ مِنْهُ ولَمْ يُسَلَّطْ عَلَى عَقْلِهِ تُرِكَ لَهُ لِيُوَحِّدَ اللهَ بِهِ)
[١]. والقرآن في هذه السورة يدعو النبي الأكرم صلى الله عليه واله، وكل مؤمن يسير في خطه إلى تذكر تلك الأحداث والمواقف من تاريخ الرسل والرسالات، وأن تكون حاضرة في ذهنه أبدا ليستعين بذكرها على مواجهة مصاعب الحياة ومشاكلها من أجل الاستقامة في طريق ذات الشوكة.
وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ الذي كان في نعيم من الدنيا، ثم انتقل منه إلى الفقر والمرض، لكنه استقام بعبوديته لله ولم يكفر، لأنه كأي مؤمن مخلص ينظر للحياة بنور الله، فهو لا يضره إن فقد كل نعيمها وبقي له الإيمان، كما لا يجد لها طعما لو جمعت له لذاتها ولكنه فقد جذوة الإيمان من قلبه وعمله. وقد تجلت عبودية أيوب عليه السلام في الغنى بشكره، وفي الفقر بصبره واستقامته.
إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ أي اذكر من حياة أيوب هذا الموقف العظيم حين دعا ربه في الضراء، وهذا الموقف عظيم لأن من الصعب على الإنسان وهو تتوارد عليه الضغوط والمشاكل من كل جانب أن يخلص توجهه إلى ربه الأحد، فهو حينما يجد مس الفقر والجوع ربما يعتقد بأن الغني أو الحاكم هو الذي ينقذه من هذه الورطة، وحينما يحوطه المرض غالبا ما يتصور بأن علاجه عند الطبيب لا بسببه، وهكذا يقع في الشرك، لكن أيوب تجاوز كل ذلك وحافظ على إيمانه وتوحيده الخالص.
[٤٢] ولم يكن البلاء الذي تعرض له أيوب بسبب ذنب عمله، فهو معصوم مطهر عن المعصية، وما أراد الله من ابتلائه
(إِلَّا رَحْمَةً لِيُعَظِّمَ لَهُ الثَّوَابَ وَجَعَلَهُ عِبْرَةً لِلصَّابِرِينَ وَذِكْرَى لِلعَابِدِينَ في كُلِّ بَلَاءٍ نَزَلَ لَيَأْنَسُوا بِهِ بِالصَّبْرِ وَرَجَاءِ الثَّوَابِ)
[٢]. فلما أتم الله الابتلاء واظهر صدق نبيه ومعدنه رفعه عنه، وعوضه عما فقده بما هو خير منه ليعرفنا ربنا بأن العاقبة للمتقين الصابرين. ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ قال الإمام الرضا عليه السلام
(فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ فَانْفَجَرَتْ لَهُ عَيْنٌ فَدَخَلَ فِيْهَا فَاغْتَسَلَ فَأَذْهَبَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ كُلَّ مَا كَانَ بِهِ مِنَ البَلَاءِ) [٣].
[٤٣] وبالإضافة إلى إشفائه من الأمراض والعلل التي لحقت بجسمه، رد الله عليه ما فقد من الأهل سواء الأبناء أو الأقرباء. وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ أي تضاعفوا فإذا كانوا عشرين صاروا أربعين، وقد حملت هذه الآية على عدة تفاسير
الأول: أن أهله ماتوا فأحياهم الله، وأضاف إليهم مثلهم.
[١] الكافي: ج ٢ ص ٢٥٦.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٢ ص ٣٦٠.
[٣] المصدر السابق: ص ٣٦٦.