من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٥ - إني مسني الشيطان بنصب وعذاب
النعم التي ينبغي أن لا تستعبد البشر، فلا يستبد به الغرور إذا رزق منها شيئا، ولا يقتله اليأس إذا زويت عنه.
وما تلتقي فيه قصة سليمان وأيوب عليهما السلام، أنهما يهدياننا إلى تجسيد للنفس الربانية التي لا تبطر بالنعمة والملك كنفس سليمان، ولا تيأس إذا فقدت متع الدنيا كنفس أيوب عليهما السلام. وبالرغم من أن هذين المثلين من حياة شخصيتين إلا إنهما- في الواقع- شخصية واحدة، حيث المؤمن هو الذي يتعالى على زينة الدنيا متطلعا إلى رضوان ربه، فيشكر حينما يظفر بها، ويصبر حينما تفوته.
لقد كان أيوب ذا مال وأهل كثير وسمعة طيبة بين الناس، وهو يُسخرِّ كل ذلك من أجل عمل الصالحات، فإذا به يفقد ماله وأهله، ويصاب في جسده بمرض فتركه كل من حوله، ولم تبق معه إلا زوجته الوفية رحمة بنت يوسف بن يعقوب عليهم السلام، والتي ضربت مثلا في الصبر مع زوجها والوفاء له، إذ كانت تعمل في البيوت وتخدم الناس لتأتي له بالطعام والشراب.
إلا أنه عليه السلام بقي صابرا شاكرا لله على النعمة، وما زاده الابتلاء إلا صبرا، ورجاء للفضل في الدنيا والآخرة. وهكذا يكون المتقون كما وصفهم سيدهم علي عليه السلام فقال
(نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي البَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ)
[١]. ولعل السبب في ثبات شخصية المتقين واستقامتها أنهم يستمدون مقوماتها من الرسالة الإلهية الثابتة لا من الظروف والعوامل المادية المتغيرة.
أما زوجة أيوب عليه السلام الوفية- والتي لم تكن بعصمة الأنبياء مع مكانتها وإيمانها فقد جاء لها إبليس متمثلا في هيئة البشر، وقال لها إنني طبيب ماهر وأستطيع أن أداوي زوجك ولكن بشرط واحد، هو أن يقول لي بعد شفائه إنني شافيته، فقبلت حبا في زوجها النبي، فجاءت مسرعة وأخبرت أيوب بالأمر فغضب عليها، وحلف يمينا أن يضربها مئة جلدة.
وهكذا أتم أيوب امتحانه ودعا ربه فاستجاب له، وخفف عن زوجه حين أمره بأن يأخذ ضغثا و يضربها به وأعاد عليه أهله وماله ومكانته وأبقى ذكره لنا منارا وهدى.
بينات من الآيات
[٤١] يمكن للشيطان أن يمس الإنسان بالسوء في جانبي الحياة (المعنوي والمادي) ولكن ذلك لا يكون بالجبر والإكراه، لأن البشر حر ومختار، إنما يضغط عليه وقد يمسه من ذلك شيء من التعب والألم. وإذا تحدى الإنسان ذلك واستقام رغم المشقة فإنه ينتصر على إبليس
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٩٣.