من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠ - الإطار العام آفاق العلاقة بين الخالق والخلق
وحين نتدبر في جمل بصائر السورة تتجلى لنا المسؤولية بأظهر صورها، والتي تصعقنا عند قول الرب وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ.
فالشرك بالله من خلال الاعتقاد بربوبية الملائكة أو الجن أو الآلهة المزيفة الأخرى، له مبرر نفسي، وهو محاولة التملص من المسؤولية.
ويوم القيامة، هو يوم ستتجلى فيه المسؤولية بشكل واضح وأكيد، حيث الصيحة العظيمة؛ فإذا بالظالمين قيام ينظرون عذاب الله، وهناك تتجلى المسؤولية التي طالما تهربوا منها في الدنيا، فتسقط تبريراتهم التي زعموا بأنهم قادرون على جعلها وسيلة للتخلص من جزاء أعمالهم.
ويبقى أن من أبرز أدّلة المسؤولية في الدنيا، وجود الجزاء. فلو كنا في مجتمع يحكمه الظلم، ثم سكتنا عنه، فشملنا الذل والبلاء، فإن ذلك دليل مسؤوليتنا عن الوضع، حتى لو بررنا ذلك بثقافة الجبر أو فلسفة الانتظار.
ومحور المسؤولية هو الذي يوصل محاور السورة ببعضها، وأبرزها ثلاثة محاور
الأول: نفي الأنداد الذين يتخذهم الجاهلون آلهة لعلهم ينصرون. إن غايتهم من عبادة الآلهة التنصل من جزاء أفعالهم، ولكن هيهات! فالملائكة صافون لربهم صفاً، والشياطين محجوبون عن السماء، وتترصدهم الشهب، والمستكبرون محضرون لحساب عسير.
الثاني: الأنبياء والأولياء عليهم السلام عباد الله المكرمون، فلا يشفعون إلا لمن ارتضى، ولا يمكن التعويل عليهم لمواجهة سنن الرب، كيف وإنما بلغوا درجاتهم هذه بأنهم عباد الله المخلصون، الذين أخلصوا ولاءهم لقيادتهم الشرعية، وأخلصهم الله سبحانه من شوائب الشرك وآثار الضغوط الإجتماعية والتاريخية.
الثالث: نسف قواعد التبرير التي يعتمد عليها المجرمون في اقتراف المآثم، حيث يزعمون أنهم كانوا مجبورين.
وتتصل الصور التي ينقلها القرآن إلينا من يوم المسؤولية والجزاء بهذا المحور.
والنسق القرآني يجعل المحور الأول والأخير متدرجين، ثم يذكر بالمحور الثاني الذي يأتي كشاهد مبين لهما، ذلك أن القرآن يضرب للحقائق الأمثال، ومن أروع أمثلته حياة الأنبياء عليهم السلام، الذين أمرنا بأن نسلم عليهم بكرة وعشياً، ليتخذهم المؤمنون قدوةً مناراً، كالنبي إبراهيم عليه السلام الذي كان من شيعة شيخ المرسلين نوح عليه السلام.