الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٤ - دريد بن الصمة يعاهدهما على الكف عن الحرب و تهادي الشعر من غير شتم
قال: فلما طال الأمر بينهما من الحرب و التّهاجي، قال عباس: إني و اللّه ما رأيت لخفاف مثلا إلا شبام بني زبيد [١] فإنه كان يلقى من ابن عمه ثروان بن مرّة من الشتم و الأذى ما ألقى من خفاف، فلما لجّ في شتمه تركه و ما هو فيه، فقال:
وهبت لثروان بن مرّة نفسه
و قد أمكنتني من ذؤابته يدي
و أحمل ما في اليوم من سوء رأيه
رجاء التي يأتي بها اللّه في غد [٢]
فقال خفاف: إني و اللّه ما وجدت لعباس مثلا إلا ثروان بني زبيد، فإنه كان يلقي من شبام ما ألقى من العباس من الأذى، فقال ثروان:
رأيت شباما لا يزال يعيبني
فلله ما بالي و بال شبام!
فقصرك منّي ضربة مازنيّة
بكفّ فتى في القوم غير كهام
فتقصر عني يا شبام بن مالك
و ما عضّ سيفي شاتمي بحرام
فقال عباس: جزاك اللّه عني يا خفاف شرّا، فقد كنت أخفّ بني سليم من دمائها ظهرا، و أخمصها بطنا، فأصبحت العرب تعيّرني بما كنت أعيب عليها من/ الاحتمال و أكل الأموال، و صرت ثقيل الظّهر من دمائها منفضج [٣] البطن من أموالها، و أنشأ يقول:
/
أ لم تر أنّي تركت الحروب
و أنّي ندمت على ما مضى
ندامة زار على نفسه
لتلك التي عارها يتّقى
فلم أوقد الحرب حتى رمى
خفاف بأسهمه من رمى
فإن تعطف القوم أحلامهم
فيرجع من ودّهم ما نأى
فلست فقيرا إلى حربهم
و ما بي عن سلمهم من غنى
فقال خفاف:
أ عبّاس إمّا كرهت الحروب
فقد ذقت من عضّها ما كفى
أ ألقحت حربا لها شدّة
زمانا تسعّرها باللّظى
فلمّا ترقّيت في غيّها
دحضت و زلّ بك المرتقى
فلا زلت تبكي على زلّة
و ما ذا يردّ عليك البكا
فإن كنت أخطأت في حربنا
فلسنا نقيلك هذا الخطا
و إن كنت تطمع في سلمنا
فزاول ثبيرا و ركني حرا
أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني مسعود بن عيسى العبديّ، عن يحيى بن عبد اللّه بن الفضل الفزاريّ، و كان علّامة بأمر قيس، قال:
كان خفاف بن ندبة في جماعة من قومه، فقال: إنّ عباس بن مرداس ليريد أن/ يبلغ فينا مبلغ عباس بن
[١] في ب «شبام بن زبيد».
[٢] في ف «رجاء الذي يأتي به اللّه في غد».
[٣] في هب «منفضخ البطن». و منفضج البطن: منتفخه.