الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٢ - دريد بن الصمة و مالك بن عوف يحذرانهما عاقبة الحرب
ابن عم للعباس يحرضه على الحرب
قال: ثم كف العباس و خفاف حتى أتى ابن عم للعباس يكنى أبا عمرو بن بدر، و كان غائبا، فقال: يا عباس! ما نقول فيك خيرا إلّا و هو باطل، قال: و كيف ذلك، ويحك! قال: أخبرني عنك، أ كلّ الذي أقررت [١] به من خفاف في نفيه أباك و تهجينه عرضك؛ ليأس من نصر قومك أو ضعف من نفسك؟ قال: لا، و لا واحدة منهما، و لكني أحببت البقيا، قال: فاسمع ما قلته، قال: هات، فأنشأ يقول:
أرى العباس ينفض مذرويه [٢]
دهين الرأس تقليه النساء
و قد أزرى بوالده خفاف
و يحسب مثله الداء العياء [٣]
فلا تهد السّباب إلى خفاف
فإن السّبّ تحسنه الإماء
و لا تكذب و أهد إليه حربا
معجّلة فإن الحرب داء
أذلّ اللّه شرّكما قبيلا
و لا سقّت له رسما سماء
العباس و خفاف يلتقيان بقومهما و يقتتلان قتالا شديدا
قال العباس: قد آذنت خفافا بحرب، ثم أصبحا فالتقيا بقومهما، فاقتتلوا قتالا شديدا يوما إلى الليل، و كان الفضل للعباس على خفاف، فركب إليه مالك بن عوف و دريد بن الصّمّة الجشميّ في وجوه هوازن، فقام دريد خطيبا فقال: يا معشر بني سليم، إنه أعجلني إليكم صدر واد و رأي جامع، و قد ركب صاحباكم شرّ مطيّة، و أوضعا/ إلى أصعب غاية، فالآن قبل أن يندم الغالب و يذلّ المغلوب [٤]، ثم جلس.
دريد بن الصمة و مالك بن عوف يحذرانهما عاقبة الحرب
فقام مالك بن عوف [٥] فقال: يا معشر بني سليم، إنكم نزلتم منزلا بعدت فيه هوازن، و شبعت منكم فيه بنو تميم، و صالت عليكم فيه بكر بن وائل، و نالت فيه منكم بنو كنانة، فانزعوا و فيكم بقية قبل أن تلقوا عدوّكم بقرن أعضب و كفّ جذماء، قال: فلما أمسينا تغنى دريد بن الصّمّة فقال:
سليم بن منصور أ لمّا تخبّروا
بما كان من حربي كليب و داحس
و ما كان في حرب اليحابر [٦] من دم
مباح و جدع مؤلم للمعاطس
و ما كان في حربي سليم و قبلهم
بحرب بعاث من هلاك الفوارس
تسافهت الأحلام فيها جهالة
و أضرم فيها كلّ رطب و يابس
فكفّوا خفافا عن سفاهة رأيه
و صاحبه العبّاس قبل الدّهارس [٧]
[١] في ب «خبرني عن أصل الذي أقررت به ... الخ».
[٢] المذروان: طرفا الألية. و جاء ينفض مذرويه: جاء باغيا يتهدد.
[٣] في هب «سبك مثله الداء العياء». و في «المختار»: «و لكن نسله الداء العياء».
[٤] في ب «و يذم المطلوب».
[٥] في ب «مالك بن أوس».
[٦] في ب «البحائر»، تحريف.
[٧] الدهارس: الدواهي.