الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١١ - ينال من العباس بن مرداس، و العباس يرد عليه
كان بدء ما كان بين خفاف بن ندبة و العباس بن مرداس أنّ خفافا كان في ملإ من بني سليم فقال لهم: إن عباس بن مرداس يريد أن يبلغ فينا ما بلغ عباس بن أنس، و يأبى ذلك عليه خصال قعدن به، فقال له فتى من رهط العبّاس: و ما تلك الخصال يا خفاف؟ قال: اتّقاؤه بخيله عند الموت، و استهانته بسبايا العرب، و قتله الأسرى، و مكالبته للصعاليك على الأسلاب، و لقد طالت حياته حتى تمنّينا موته، فانطلق الفتى إلى العبّاس فأخبره الخبر، فقال العبّاس: يا ابن أخي، إن لم يكن كالأصمّ في فضله فلست كخفاف في جهله، و قد مضى الأصمّ بما في أمس و خلّفني بما في غد، فلما أمسى تغنّى، و قال:
خفاف ما تزال تجرّ ذيلا
إلى الأمر المفارق للرّشاد
إذا ما عاينتك بنو سليم
ثنيت لهم بداهية نآد [١]
/ و قد علم المعاشر من سليم
بأنّى فيهم حسن الأيادي
فأورد يا خفاف فقد بليتم
بني عوف بحيّة بطن وادي
قال: ثم أصبح فأتى خفافا. و هو في ملإ من بني سليم، فقال: قد بلغني مقالتك يا خفاف، و اللّه لا أشتم عرضك و لا أسبّ أباك و أمّك، و لكنّي رام سوادك بما فيك [٢] و إنك لتعلم أنّي أحمي المصافّ [٣] و أتكرّم على السّلب [٤] و أطلق الأسير و أصون السبيّة. و أما زعمك أني أتّقي بخيلي الموت فهات من قومك رجلا اتّقيت به.
و أما استهانتي بسبايا العرب فإني أحذو القوم في نسائهم بفعالهم في نسائنا، و أما قتلي الأسرى فإني قتلت الزّبيديّ بخالك؛ إذ عجزت عن ثأرك. و أما مكالبتي الصعاليك على الأسلاب، فو اللّه ما أتيت على مسلوب قطّ إلا لمت سالبه. و أما تمنّيك موتي. فإن متّ قبلك فأغن غنائي، و إن سليما لتعلم أني أخفّ عليهم مئونة، و أثقل على عدوّهم وطأة منك، و إنّك لتعلم أنّي أبحت حمى بني زبيد، و كسرت قرني الحارث [٥] و أطفأت جمرة خثعم، و قلّدت بني كنانة قلائد العار، ثم انصرف. فقال خفاف أبياتا لم يحفظ الشيخ منها إلا قوله:
و لم تقتل أسيرك من زبيد
بخالي بل غدرت بمستفاد
فزندك في سليم شرّ زند
و زادك في سليم شرّ زاد
فأجابه العباس بقوله:
ألا من مبلغ عنّي خفافا
فإنّي لا أحاشي من خفاف
نكحت وليدة و رضعت أخرى
و كان أبوك تحمله قطاف
/ فلست لحاصن إن لم نزرها
تثير النّقع من ظهر النّعاف [٦]
سراعا قد طواها الأين دهما
و كمتا لونها كالورس صاف [٧]
[١] نآد: شديدة.
[٢] السواد: الشخص. و في ب «و لكن رمى سوادك بما فيك».
[٣] المصافّ: مواقف القتال.
[٤] في ب، بيروت «و أتكلم على السبي».
[٥] في ب، هب «و كسرت قوى بني الحارث».
[٦] في ف «فلست بحاضن إن لم تروها». و الحاصن: العفيفة. و النعاف: جمع نعف؛ و هو المكان المرتفع في اعتراض.
[٧] في ف، «المختار»، هب: سواهم بدل سراعا، و دهم و كمت «بالرفع».