سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨١ - الباب الثامن في سياق القصة
موسى. ثم ركب. فانطلق البراق يهوي. ثم قال: انزل فصلّ. ففعل. ثم ركب. فقال: أ تدري أين صلّيت؟ قال: لا. قال: صلّيت بطور سينا حيث كلّم اللّه موسى.
ثم بلغ أرضا بدت له قصورا. فقال له جبريل: انزل فصلّ. ففعل، ثم ركب و انطلق البراق يهوي. فقال له جبريل: أ تدري أين صلّيت؟ قال: لا. قال: صلّيت ببيت لحم، حيث ولد عيسى. و بينا هو يسير على البراق إذ رأى عفريتا من الجنّ، يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رآه. فقال له جبريل: ألا أعلّمك كلمات تقولهن، فإذا قلتهن طفئت شعلته و خرّ لفيه؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): بلى، فقال جبريل: «قل أعوذ بوجه اللّه الكريم، و بكلمات اللّه التامّات التي لا يجاوزهنّ برّ و لا فاجر، من شرّ ما ينزل من السماء، و من شرّ ما يعرج فيها، و من شرّ ما ذرأ في الأرض، و من شرّ ما يخرج منها، و من شرّ فتن الليل و النهار، و من طوارق الليل و النهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن». فانكبّ لفيه و انطفأت شعلته.
فساروا حتى أتوا على قوم يزرعون في يوم و يحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان فقال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل اللّه تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، و ما أنفقوا من شيء فهو يخلفه. و وجد ريحا طيبة، فقال: يا جبريل ما هذه الرائحة؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون و أولادها، بينا هي تمشط بنت فرعون إذ سقط المشط، فقالت: بسم اللّه، تعس فرعون. فقالت ابنة فرعون: أولك ربّ غير أبي؟ قلت: نعم، ربّي و ربّك اللّه. و كان للمرأة ابنان و زوج فأرسل إليهم فراود المرأة و زوجها أن يرجعا عن دينهما، فقال: إني قاتلكما، فقالا: إحسانا منك إن قتلتنا أن تجعلنا في بيت- و في رواية قالت:
إن لي إليك حاجة. قال: و ما هي؟ قالت: تجمع عظامي و عظام ولديّ، فتدفنّا جميعا. قال:
ذلك لك بما لك علينا من الحق، فأمر بنقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها لتلقى فيها هي و أولادها، فألقوا واحدا، واحدا، حتى بلغوا أصغر رضيع فيهم، فقال: يا أمّه قعي و لا تقاسي فإنك على الحق. قال: و تكلم أربعة و هم صغار: هذا و شاهد يوسف و صاحب جريج و عيسى ابن مريم (عليه السلام).
ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم، كلما رضخت عادت كما كانت. و لا يفتر عنهم من ذلك شيء. فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين تتشاغل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة. ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع و على أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل و الغنم، و يأكلون الضّريع و الزّقّوم و رضف جهنّم و حجارتها. فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال:
هؤلاء الذين لا يؤدّون صدقات أموالهم، و ما ظلمهم اللّه شيئا، ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدور، و لحم آخر نيء خبيث، فجعلوا يأكلون من النّيّئ الخبيث و يدعون النضيج.
فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمّتك تكون عنده المرأة الحلال الطّيّب، فيأتي