سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٩ - الثامن عشر في الكلام على السّدرة و إضافتها إلى المنتهى
و وقوفهم عندها. الخامس: لأن أرواح الشهداء تنتهي إليها، قاله الربيع بن أنس. السادس: لأنه تأوي إليها أرواح المؤمنين، قاله قتادة. السابع: لأنه ينتهي إليها كل من كان على سنّة محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) و منهاجه، قاله علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، و الربيع بن أنس أيضا.
الثامن: [هي شجرة على رؤوس حملة العرش] إليها ينتهي علم الخلائق. التاسع: لأن من رفع إليها فقد انتهى في الكرامة».
الماوردي: «فإن قيل: لم اختيرت السّدرة دون غيرها؟ قيل لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظلّ مديد، و طعم لذيذ، و رائحة ذكيّة، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا و نيّة و عملا، فظلّها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، و طعمها بمنزلة النّيّة لكمونه أي استتاره، و رائحتها بمنزلة القول لظهوره».
الصحاح: «السّدر شجر النبق الواحدة سدرة و الجمع سدرات أي بكسر فسكون و سدرات بكسرتين، و سدرات بكسر ففتح، و سدر بكسر ففتح»، و سيأتي في شرح القصّة الكلام على أصلها.
تنبيه: جاء في النّهي عن قطع السّدر أحاديث. فروى أبو داود و الطبراني و البيهقي و الضياء في صحيحه عن عبد اللّه بن حبشيّ بضم المهملة ثم موحّدة ساكنة، ثم معجمة بعدها ياء ثقيلة، ابن جنادة، بضم الجيم و بالنون و الدال المهملة، السّلولي، بفتح السين المهملة و لامين، رضي اللّه عنه قال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «من قطع سدرة صوّب اللّه رأسه في النار»،
زاد الطبراني يعني من سدر الحرم. و قال أبو داود (رحمه اللّه تعالى): يعني من قطع السّدر في فلاة يستظلّ بها ابن السبيل و البهائم عبثا و ظلما بغير حق يكون له فيها. و روى البيهقي عن أبي ثور أنه سأل الشافعي عن قطع السّدر فقال: لا بأس به.
و قد روي أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «اغسلها بماء و سدر»،
فيكون محمولا على ما حمله عليه أبو داود. و قال البيهقي: و روينا عن عروة أنه كان يقطعه و هو أحد رواة النهي، فيشبه أن يكون النهي خاصا كما قال أبو داود.
و قال الخطّابي: سئل المزني [١] عن هذا فقال: وجهه أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) سئل عمّن هجم على قطع سدر لقوم أو يتيم أو لمن حرّم اللّه تعالى أن يقطع عليه، فتحامل عليه فقطعه فاستحق ما قاله، فتكون المسألة سبقت لسامع فسمع الجواب و لم يسمع المسألة و جعل نظيره
[١] إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق أبو إبراهيم، المزني، المصري، الفقيه الإمام صاحب التصانيف.
أخذ عن الشافعي و كان يقول: أنا خلق من أخلاق الشافعي، كان زاهدا، عالما، مجتهدا، مناظرا، محجاجا، غواصا على المعاني الدقيقة، صنف كتبا كثيرة، قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي. ولد سنة خمس و سبعين و مائة و توفي في رمضان، و قيل: في ربيع الأول سنة أربع و ستين و مائتين، و كان مجاب الدعوة. انظر طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٥٨.