سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧ - السابع عشر في الكلام على قوله تعالى
ابن القيّم: «أنكر عليهم سبحانه و تعالى مكابرتهم و جحدهم له على ما رآه مما ينكر على الجاهل مكابرته لعالم، و مماراته له على ما علمه».
اللباب: «قرأ الأخوان: «أ فتمرونه» بفتح التاء و سكون الميم، و الباقون «تمارونه»، و عبد اللّه بن مسعود و الشعبي: «أ فتمرونه» بضم التاء و سكون الميم. فأما الأولى ففيها وجهان: أحدهما: أنه من مريته حقّه إذا غلبته عليه و جحدته إياه، و عدّي بعلى لتضمّنه معنى الغلبة، و أنشدوا:
لئن هجرت أخا صدق و مكرمة* * * لقد مريت أخا ما كان يمريكا
لأنه إذا جحده حقّه فقد غلبه عليه. قال المبرّد: يقال مراه عن حقّه و على حقّه إذا منعه منه و دفعه عنه. قال و مثل «على» بمعنى «عن» قول بني كعب بن ربيعة رضي اللّه عليك أي رضي عنك».
ابن القيم: «على بابها ليست بمعنى «عن» كما قوله المبرّد، بل الفعل متضمّن معنى المكابرة، و هذا في قراءة الألف أظهر.
الثاني: أنه من مراه كذا على كذا أي غلبه فهو من المراء و هو الجدال». و أما الثانية: فهي من ماراه يماريه، جادله و اشتقاقه من مرى الناقة، لأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه. و كان من حقه أن يتعدّى بفي كقولك: جادله في كذا. و إنما ضمّن الغلبة فعدّي تعديتها. و أما قراءة عبد اللّه فمن «ماراه» رباعيا، و المعنى: «أ فتجادلونه»، أي كيف تجادلونه على ما يرى مع أنه، ما رأى عين اليقين؟ و لا شك بعد الرؤية.
القرطبي: «و المعنيان متداخلان لأن مجادلتهم جحود، و قيل: إن الجحود كان دائما منهم و هذا جدال جديد».
ابن القيّم: «القوم جمعوا بين الجدال و الدّفع في الإنكار، فكان جدالهم جدال جحود و دفع لا جدال استرشاد و تبيين للحق. و إثبات الألف يدل على المجادلة، و الإتيان بعلى يدل على المكابرة، فكانت قراءة الألف متضمّنة للمعنيين جميعا، و ذلك أنهم جادلوا حين أسري به، فقالوا صف لنا بيت المقدس، و أخبرنا عن عيرنا في الطريق، و غير ذلك مما جادلوه به.
و المعنى: أ فتجادلونه جدالا ترمون به دفعه عمّا رآه و علمه و تيقّنه؟ فإن قيل: هلّا قيل: أ فتمارونه على ما رأى؟ بصيغة الماضي، لأنهم إنما جادلوه حين أسري به كما تقدم، و ما الحكمة في إبرازه بصيغة المضارع؟ فالجواب أن التقدير: أ فتمارونه على ما يرى؟ فكيف و هو قد رآه في المساء، فما ذا تقولون فيه»؟.
السابع عشر: في الكلام على قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. [النجم: ١٣].