سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥ - الخامس عشر في الكلام على قوله تعالى
و ليس كمن رأى شيئا على خلاف ما هو به، فكذب فؤاده بصره، بل ما رآه ببصره صدّقه الفؤاد و علم أنه كذلك. يقال كذبته عينه و كذبه قلبه و كذبه جسده إذا أخلف ما ظنّه و حدسه. قال الشاعر:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط* * * غلس الظّلام من الرّباب خيالا [١]؟
أي أرتك ما لا حقيقة له. فنفى اللّه تعالى هذا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أخبر أن فؤاده لم يكذب ما رآه».
الماوردي: «في الفؤاد قولان: أحدهما: أنه أراد صاحب الفؤاد، فعبّر عنه بالفؤاد، لأنه قطب الجسد و به قوام الحياة. الثاني: أنه أراد نفس الفؤاد لأنه محل الاعتقاد».
اللباب: «قرأ هشام [٢] و أبو جعفر [٣] بتشديد الذال من «كذب»، و الباقون بتخفيفها. فأما الأولى فإن معناها أن ما رآه محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) بعينه صدّقه قلبه، و لم ينكر الداري «أل» لتعريف ما علم حاله لسبق ذكر محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) في قوله: «إلى عبده» و في قوله (و هو بالأفق الأعلى) و قوله (ما ضلّ صاحبكم)، أي لم يقل إنه خيال لا حقيقة. و «ما» الثانية مفعول له موصولة، و العائد محذوف، ففاعل «رأى» ضمير يعود على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).
و أما قراءة التخفيف فقيل فيها كذلك. و كذب يتعدى بنفسه. و قيل هو على إسقاط الخافض أي فيما رآه، قاله مكي و غيره. قال حسّان بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه:
لو كنت صادقة الّذي حدّثتني* * * لنجوت منجا الحارث بن هشام [٤]
أي في الذي حدّثتني، و جوّز «ما» في وجهين: أحدهما: أن تكون بمعنى «الذي»، فيكون المعنى: ما كذب الفؤاد الذي رأى بعينه، و الثاني: أن تكون مصدرية.
[١] البيت للأخطل انظر اللسان ٤/ ٣٢٨١.
[٢] هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة أبو الوليد السلمي و قيل: الظفري الدمشقي، إمام أهل دمشق و خطيبهم و مقرئهم و محدثهم و مفتيهم، ولد سنة ثلاث و خمسين و مائة، و قال النسائي: لا بأس به و قال الدار قطني: صدوق كبير المحل، و كان فصيحا علامة واسع الرواية، قال عبدان الأهوازي: سمعته يقول ما أعدت خطبة منذ عشرين سنة و قال محمد بن حريم: سمعته يقول في خطبته: قولوا الحق يريكم الحق منازل أهل الحق يوم لا يقضي إلا بالحق، و قال أبو علي أحمد بن محمد الأصبهاني المقري لما توفي أيوب بن تميم رجعت الإمامة في القراءة إلى رجلين: ابن ذكوان و هشام، قال: و كان هشام مشهورا بالنقل و الفصاحة و العلم و الرواية و الدراية رزق كبر السن و صحة العقل و الرأي فارتحل الناس إليه في القراءات و الحديث، مات سنة خمس و أربعين. و مائتين و قيل سنة أربع و أربعين غاية النهاية ٢/ ٣٥٤، ٣٥٥.
[٣] يزيد بن القعقاع الإمام أبو جعفر المخزومي المدني القارئ، أحد القراء العشرة تابعي مشهور كبير القدر، و يقال اسمه جندب بن فيروز و قيل: فيروز، مات بالمدينة سنة ثلاثين و مائة و قيل: سنة اثنتين و ثلاثين، و قيل: سنة تسع و عشرين و قيل: سنة سبع و عشرين و قيل: سنة ثمان و عشرين. انظر غاية النهاية ٢/ ٣٨٢، ٣٨٣، ٣٨٤.
[٤] انظر ديوان حسان بن ثابت ص ٢١٣، ٢١٤.