سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٣ - الثالث عشر في الكلام على قوله تعالى
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: ٧٤]، أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة، بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها. و هذا المعنى أحسن و ألطف و أدق من قول من جعل «أو» في هذا الموضع بمعنى بل، و من قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرائي، و قول من جعلها بمعنى الواو فتأمّله، و جزم بذلك ابن كثير.
اللباب: «أدنى أفعل تفضيل، و المفضّل عليه محذوف أو أدنى من قاب قوسين، فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه في الأفق الأعلى من الأرض، فتدلّى، فنزل إلى محمد (صلّى اللّه عليه و سلم)، فكان قاب قوسين أو أدنى بل أدنى.
تنبيه: هذا الذي قلناه من المقترب الدّاني الذي صار بينه و بين محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) قاب قوسين أو أدنى، إنما هو جبريل، نقله القاضي عن الجمهور. و قال الحافظ عماد الدين بن كثير: إنه هو الصحيح في التفسير، كما دلّ عليه كلام أكابر الصحابة. قال ابن القيّم: لأن جبريل هو الموصوف بما ذكر من أول السورة إلى قوله: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى [النجم: ١٣، ١٤] هكذا فسّره النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في الحديث الصحيح لعائشة،
قالت عائشة رضي اللّه عنها: سألت رسول اللّه عن هذه الآية، فقال: «ذاك جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرّتين»،
رواه مسلم، و لفظ القرآن لا يدل على غير ذلك من وجوه:
الأول: أنه قال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى و هذا جبريل الذي وصفه بالقوة في سورة التكوير.
الثاني: أنه قال: ذُو مِرَّةٍ [النجم: ٦] أي حسن خلق، و هو الكريم في سورة التكوير.
الثالث: أنه قال: فَاسْتَوى وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى و هي ناحية السماء العليا و هذا استواء جبريل.
الرابع: أنه قال: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فهذا دنو جبريل، و قد نزل إلى الأرض حيث كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) بها. و أما الدنو و التدلي في حديث المعراج فرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان فوق سبع سموات.
الخامس: أنه قال: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. و الذي عند السّدرة قطعا هو جبريل، و بهذا فسّره النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: «ذاك جبريل».
السادس: أن الضمير في قوله: «و لقد رآه»، و قوله: «دنا فتدلّى»، و قوله: «فاستوى»، و قوله: «و هو بالأفق الأعلى» واحد، فلا يجوز أن يخالف بين المفسّرين من غير دليل.