سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١٩
فمر بعبد اللّه بن أبيّ و ذلك قبل أن يسلم و هو في ظلّ أطم و في مجلس أخلاط من المسلمين و المشركين عبدة الأوثان، و اليهود في مجلس عبد اللّه بن رواحة. فلما غشيت المجلس عجاجة الدّابّة خمّر عبد اللّه بن أبيّ أنفه بردائه و قال: لا تغبّروا علينا. فسلّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و وقف فنزل فدعاهم إلى اللّه فقرأ عليهم القرآن و حذّر و بشّر و أنذر فقال له عبد اللّه بن أبي: «يا أيها المرء إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقّا فلا تؤذونا به في مجلسنا، و ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه». قال: فقال ابن رواحة: «بلى يا رسول اللّه فاغشنا به في مجالسنا فهو و اللّه مما نحبّ». فاستبّ المسلمون و المشركون و اليهود حتى كادوا يتثاورون.
فلم يزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يخفّضهم حتى سكتوا. فركب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) دابته حتى دخل إلى سعد بن عبادة، فقال له: «أي سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب»؟ يريد عبد اللّه بن أبيّ. فقال سعد: «يا رسول اللّه اعف عنه و اصفح فلقد أعطاك اللّه ما أعطاك، و لقد اجتمع أهل البحيرة على أن يتوّجوه فيعصبوه، فلما ردّ ذلك بالحق الذي أعطاك شرق، فذلك الذي فعل به ما رأيت» [١].
و عن أنس رضي اللّه عنه قال: قلت: يا نبيّ اللّه لو أتيت عبد اللّه بن أبيّ؟ فانطلق إليه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فركب حمارا، و انطلق المسلمون يمشون، و هي أرض سبخة. فلما أتاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، قال: إليك عنّي فواللّه لقد أذاني نتن حمارك. فقال رجل من الأنصار: و اللّه لحمار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أطيب ريحا منك.
فغضب لعبد اللّه رجل من قومه فشتمه، و غضب لكلّ واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد- و في لفظ بالحديد- و الأيدي و النّعال، فبلغنا أنه أنزل فيهم وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما [الحجرات ٩]. رواه الشيخان.
قال ابن إسحاق: و قال عبد اللّه بن أبيّ حين رأى من خلاف قومه ما رأى:
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل* * * تذلّ و يصرعك الّذين تصارع
و هل ينهض البازي بغير جناحه* * * و إن جذّ يوما ريشه فهو واقع
و منهم أبو عامر الفاسق و اسمه: عبد عمرو بن صيفي بن النعمان الأوسي أحد بني ضبيعة بن زيد، و هو أبو حنظلة غسيل الملائكة. و كان أبو عامر قد ترهّب في الجاهلية و لبس المسوح، فكان يقال له الراهب. و كان شريفا مطاعا في قومه فشقي بشرفه و ضرّه.
و لما قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة أتاه أبو عامر قبل أن يخرج إلى مكة فقال: يا محمد ما
[١] أخرجه البخاري ٧/ ١٥٤ و مسلم في كتاب الجهاد (١١٦) و أحمد في المسند ٥/ ٢٠٣ و عبد الرزاق (٩٧٨٤) و الطبراني في الكبير ٦/ ٦٧.