سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١١ - الباب الثاني عشر في سحرهم إيّاه (صلّى اللّه عليه و سلم)
يعودونه فخرجوا من عنده و هم يرون أنه لما به [مطبوب]. و في رواية عمرة عن عائشة عند البيهقي: فكان يذوب و ما يدري و ما وجعه فاشتكى لذلك أياما. و في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي: مكث أربعين ليلة. و في رواية و هيب عند الإمام أحمد: ستة أشهر، حتى إذا كان ذات يوم و هو عندي دعا اللّه عز و جل ثم دعا ثم قال: «يا عائشة أشعرت أن اللّه أفتاني فيما استفتيته فيه؟» قلت: و ما ذاك يا رسول اللّه؟ قال: «أتاني رجلان [١]- و في حديث ابن عباس:
جبريل و ميكائيل- فقعد أحدهما عند رأسي- قال الدمياطي: هو جبريل- و الآخر عند رجليّ. ثم قال أحدهما لصاحبه- و في حديث ابن عباس: فقال ميكائيل: يا جبريل إن صاحبك شاك. قال:
أجل. قال: و ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب. قال: و من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي.
قال: فبما ذا؟ قال: «في مشط و مشاطة- و في لفظ: مشط و مشاقة و جفّ طلع نخلة ذكر».
و في حديث عائشة من طريق ابن عيينة، «فقال الذين عند رأسي». قال الحافظ: «و كأنها أصوب». و في حديث ابن عباس عند البيهقي قال: و أين هو؟ قال: في بئر ذي أروان- و في لفظ: بئر ذروان- و في حديث ابن عباس عند ابن مردويه: و هو بئر ميمون في كدية [٢] تحت صخرة في الماء. قال: فما دواء ذلك؟ قال: تنزح البئر ثم تقلب الصخرة فتؤخذ الكدية فيها مثال إحدى عشرة عقدة فتحرق فإنه يبرأ بإذن اللّه تعالى. فبعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عليّا و عمّارا.
و في حديث آخر: ذهب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في أناس من أصحابه إلى البئر، فنظر إليها، و عليها نخل، فدخل رجل فاستخرج جفّ طلعة [ذكر] من تحت الراعوفة، فإذا فيها مشط رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و إذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبر، فنزل جبريل (عليه السلام) بالمعوذتين: سورة الفلق و سورة الناس [و هما إحدى عشرة آية على عدد تلك العقد و أمر أن يتعوذّ بهما] فجعل كلما قرأ آية انحلّت عقدة، و كلما نزع إبرة وجد لها ألما و يجد بعدها راحة.
فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كأنما أنشط من عقال.
قالت عائشة: فلما رجع قال: «لكأنّ ماءها نقاعة الحنّاء و كأنّ رؤوس نخلها الذي يشرب ماءها قد التوى سعفه كأنّه رؤوس الشياطين». قلت: يا رسول اللّه أ فلا استخرجته؟ قال: «لا»-
و في رواية من حديث عائشة في الصحيح و غيره: فقلت يا رسول اللّه: أ فلا- قال سفيان: أي تنشّرت- فقال: «أما و اللّه»- و في رواية: «أمّا أنا فقد عافاني اللّه و شفاني، و خشيت أن أثوّر- و في رواية أثير- على الناس منه شرّا». و أمر بها فدفنت. فقيل:
يا رسول اللّه لو قتلته فقال: «ما وراءه من عذاب أشدّ». و في رواية: فأخذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فاعترف فعفا عنه و لم يقتله.
[١] أخرجه البخاري ٧/ ١٧٧ (دار الفكر) و ابن ماجة (٢٦١).
[٢] الكدية: قطعة غليظة صلبة لا تعمل فيها الفأس. و أكدى الحافر: إذا بلغها. انظر النهاية ٤/ ١٥٦.