سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٠ - الحادي عشر في الكلام على قوله تعالى
ليتضاءل أحيانا- يتضاءل بالضاد المعجمة و الهمز- من مخافة اللّه تعالى حتى يكون بقدر الوصع- بفتح الواو و الصاد و بالعين المهملتين، يعني العصفور الصغير، قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣].
و أما في السماء فعند سدرة المنتهى، و لم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم).
ابن كثير: «و هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء، بل قبلها و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في الأرض في أوائل البعث بعد فترة الوحي».
اللباب: «في الضمير وجهان: أحدهما: و هو الأظهر أنه مبتدأ، «و بالأفق» خبره، و الضمير لجبريل أو للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم). ثم في هذه الجملة و جهان: الأول: أنها حال من فاعل «فاستوى» قاله مكي. قال القرطبي: و المعنى فاستوى جبريل عاليا على صورته و لم يكن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قبل ذلك رآه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا»، انتهى.
«الثاني: أنها مستأنفة، أخبر اللّه تعالى بذلك، ثانيهما: أن «و هو» معطوف على الضمير المستتر في استوى. و ضمير استوى إما أن يكون للّه تعالى و هو قول الحسن أو لجبريل أو لمحمد، و هذا ضعيف، لأنه يقال استوى هو و فلان و لا يقال استوى و فلان إلا في ضرورة الشعر، و الصحيح استوى جبريل و جبريل بالأفق الأعلى على صورته الأصلية لأنه كان يتمثّل للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا نزل بالوحي في صورة رجل، فأحب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يراه على صورته الحقيقية فاستوى جبريل في أفق المشرق فملأ الأفق».
و روى الإمام أحمد، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و البيهقي، و أبو نعيم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جبريل في صورته، له ستمائة جناح، كل جناح منها قد سدّ الأفق و تسقط من أجنحته التهاويل و الدر و الياقوت ما اللّه به عليم.
و روى الإمام أحمد عن ابن عباس في الآية قال: سأل النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) جبريل أن يراه في صورته، فقال: ادع ربّك، فدعا ربّه عزّ و جلّ، فطلع عليه سواد من قبل المشرق، فجعل يرتفع و ينتشر، فلما رآه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) صعق، فأتاه فقرب منه و مسح الغبار عن وجهه.
المصباح: «الأفق بضمتين الناحية من الأرض و من السماء و الجمع آفاق، زاد في الصحاح: و الأفق بضمة فسكون مثل عشر و عشر».
الماوردي: «في الأفق الأعلى ثلاثة أقوال: أحدها: مطلع الشمس قاله مجاهد، الثاني:
هو بالأفق الذي يأتي منه النهار قاله قتادة يعني طلوع الفجر، الثالث: هو أفق السماء و هو جانب من جوانبها، قاله ابن زيد، و منه قول الشاعر: