سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٦ - تنبيهات
عنيتكم». فقالوا: «إنك تتلو أنّا أوتينا التوراة و فيها تبيان كل شيء». فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-:
«هي في علم اللّه قليل و قد آتاكم اللّه ما إن عملتم به انتفعتم»،
و أنزل اللّه عز و جل: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. [لقمان ٢٧، ٢٨] و دلّ حديث ابن مسعود، و أثر عطاء أن الآية نزلت بمكة، و جمع بينهما و بين حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه بتعدد النزول، و يحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك إن ساغ ذلك، و إلا فما في الصحيح أصحّ. و قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في الإتقان: «إذا استوى الإسنادان في الصحة فيرجح أحدهما بكون راويه حاضر القصة أو نحو ذلك من وجوه الترجيحات»، ثم ذكر [مثالا له] حديث ابن مسعود و حديث ابن عباس المذكورين. ثم قال:
«فهذا- أي حديث ابن عباس- يقتضي أن الآية نزلت بمكة، و الحديث الأول خلافه». و قد رجح أن ما رواه البخاري أصح من غيره، و بأن ابن مسعود كان حاضر القصة.
الثاني: قال أبو نعيم: «قيل من علامات نبوة سيدنا محمد- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في الكتب المنزّلة أنه إذا سئل عن الروح فوّض العلم بحقيقتها إلى منشئها و بارئها، و أمسك عما خاضت فيه الفلاسفة و أهل المنطق القائلون بالحدس و التخمين، فامتحنه اليهود بالسؤال عنها ليقفوا منه على نعته المثبت عندهم في كتابهم، فوافق كتابه ما ثبت في كتبهم».
الثالث: قال ابن التين: «اختلف في الروح المسؤول عنها في هذا الخبر على أقوال:
الأول: روح الإنسان، الثاني: روح الحيوان. الثالث: جبريل. الرابع: عيسى. الخامس: القرآن.
السادس: الوحي. السابع: ملك يقوم وحده صفا يوم القيامة. الثامن: ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه منها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة يسبّح اللّه تعالى [بتلك اللغات كلها] و يخلق اللّه سبحانه و تعالى من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة، و قيل: ملك رجلاه في الأرض السفلى و رأسه عند قائمة العرش. التاسع: خلق كخلق بني آدم يأكلون و يشربون، لا ينزل ملك من السماء إلا نزل معه ملك منهم. و قيل: هو صنف من الملائكة يأكلون و يشربون». قال الحافظ: «و هذا إنما يجمع من كلام أهل التفسير في معنى لفظ «الروح» الوارد في القرآن لا خصوص هذه الآية، فمن الذي في القرآن: ١ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء ١٩٣]، ٢ وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا- إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى ٥٢]، ٣ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ [غافر: ١٥]، ٤ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة ٢٢]، ٥ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا [النبأ ٣٨]، ٦ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [النحل ٢]؟ فالأول: جبريل، و الثاني: القرآن، و الثالث: الوحي، و الرابع: القوة، و الخامس و السادس: محتمل لجبريل أو غيره، و وقع إطلاق الروح على عيسى.