سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧١ - الباب السادس في قصة تحويل القبلة
قال رافع بن خديج: «و أتانا آت و نحن نصلي في بني عبد الأشهل فقال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد أمر أن يوجه إلى الكعبة، فأدارنا إمامنا إلى الكعبة و درنا معه». قال ابن عمر:
«و بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت- قال ابن طاهر المقدسي: هو عبّاد بن بشر أيضا- فقال: «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد أنزل عليه قرآن، و قد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، و كانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة».
و كانت اليهود قد أعجبهم إذ كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يصلّي قبل بيت المقدس و أهل الكتاب فلما ولّى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. و قال المنافقون: «خرّ محمد إلى أرضه».
و قال المشركون: «أراد محمد أن يجعلنا قبلة له و وسيلة، و عرف أن ديننا أهدى من دينه، و يوشك أن يكون على ديننا».
و قال اليهود للمؤمنين: ما صرفكم عن قبلة موسى و يعقوب و قبلة الأنبياء؟ و اللّه إن أنتم إلا قوم تفتنون. و قال المؤمنون: لقد ذهب منّا قوم ماتوا و ما ندري أ كنّا نحن و هم على قبلة أو لا. و أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رفاعة بن قيس، و كردم بن عمرو، و كعب بن الأشرف، و رافع بن أبي رافع، و الحجّاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، و الربيع و كنانة ابنا الربيع بن أبي الحقيق- بلفظ تصغير حق- فقالوا: «يا محمد ما ولّاك عن قبلتك التي كنت عليها و أنت تزعم أنك على ملّة إبراهيم و دينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتّبعك و نصدّقك». و إنما يريدون بذلك فتنته عن دينه، فأنزل اللّه عز و جل: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ- الجهّال و اليهود و المشركون و المنافقون ما وَلَّاهُمْ- أي صرفهم- عَنْ قِبْلَتِهِمُ- التي كانوا على استقبالها في الصلاة و هي بيت المقدس، و الإتيان بالسين الدّالّة على الاستقبال من الإخبار بالغيب- الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ- أي الجهات كلها، فيأمر بالتوجه إلى أية جهة شاء لا اعتراض عليه- يَهْدِي مَنْ يَشاءُ- هدايته- إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة ١٤٢]- دين الإسلام، أي و منهم أنتم، دلّ على هذا وَ كَذلِكَ أي كما هديناكم إليه جَعَلْناكُمْ يا أمة محمد أُمَّةً وَسَطاً خيارا عدولا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يوم القيامة أن رسلهم بلّغتهم وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً أنه بلّغكم وَ ما جَعَلْنَا صيّرنا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أولا و هي جهة بيت المقدس و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يصلّي إليها تألّفا لليهود فصلّى إليها ستة أو سبعة عشر شهرا ثم حوّل إِلَّا لِنَعْلَمَ علم ظهور مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ فيصدّقه مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أي يرجع إلى الكفر شكّا في الدين و ظنّا أن النبيّ في حيرة من أمره، و قد ارتدّ لذلك جماعة وَ إِنْ مخفّفة من الثقيلة و اسمها محذوف، أي و إنّها كانَتْ التولية إليها- لَكَبِيرَةً شاقّة على الناس إِلَّا